يدين الأميركيون للجنة التحقيقات في هجمات الحادي عشر من سبتمبر بالكثير، لكل ما قدمته من معلومات وحقائق تفصيلية دقيقة، حول كل ما تعلق بالهجمات، التي استهدفت مركز التجارة العالمي، ومبنى وزارة الدفاع "البنتاجون". لكن لما كان هدف اللجنة هو التوصل إلى تقرير متفق عليه من كافة الأطراف، وهي لجنة ثنائية حزبية، فقد لجأت إلى التخفيف من حدة الاستنتاجات والتحليلات التي توصلت إليها، تاركة للجمهور استخلاص جزء وافر من تلك التحليلات بنفسه. ومن أبرز هذه الحقائق والاستنتاجات التي توصل إليها التقرير دون الإفصاح عنها صراحة، أن إدارة "بوش" لم تفعل شيئاً يذكر لحماية الأمن القومي، قبل وقوع هجمات الحادي عشر من سبتمبر. حقيقة ثانية هي أن غزو الإدارة للعراق، جعل بلادنا أكثر عرضة للخطر من ذي قبل. ولحسن الحظ، فقد أظهرت استطلاعات الرأي العام التي أجريت مؤخراً، أن الجزء الغالب من الجمهور، توصل إلى معظم هذه الحقائق من تلقاء نفسه.
فما جاء في صياغة التقرير صراحة، أنه لم تكن هناك علاقات تعاون بين النظام العراقي السابق وتنظيم القاعدة، وأنه لم تكن لذلك النظام يد في هجمات الحادي عشر من سبتمبر. كما نص التقرير أيضاً، على أن طهران قدمت بعض الدعم لتنظيم القاعدة، بما في ذلك بعض المشاركين في اختطاف الطائرات، التي نفذت بها الهجمات على مدينتي نيويورك وواشنطن. وربما تقود هذه الحقيقة الأخيرة قطاعاً عريضاً من الجمهور الأميركي، لاستنتاج أن إدارة بلاده، استهدفت الدولة الخطأ والنظام الخطأ، بحربها التي شنتها على العراق. ولا شك أنهم محقون في هذا الاستنتاج.
ثم ماذا بعد؟ يلاحظ أن التغطيات الصحفية لتقرير اللجنة المذكور، قد سلطت الأضواء على التحسينات الإدارية والهيكلية لأجهزة الأمن والاستخبارات القومية. ومن بين هذه التحسينات، تعيين مدير جديد، برتبة وزير فيدرالي للجهاز الاستخباراتي، وإنشاء مركز قومي جديد لمكافحة "الإرهاب"، لوضع الضمانات الكافية لأن تصبح أجهزتنا الاستخباراتية الخمسة عشر، تعمل كما ينبغي، وبمستوى التنسيق المطلوب فيما بينها. الفكرتان جيدتان بالطبع، إلا أنهما تعبران عن نهج إصلاحي تدريجي، أكثر من أن تعبرا عن روح تغيير راديكالي في نهج أدائنا الأمني.
ولو تحققت هاتان الفكرتان من قبل نحو ست سنوات من وقوع الهجمات مثلا، لما أحدثتا ذلك التأثير الكبير في نهج تعاملنا وتصدينا لتنظيم القاعدة. الأسوأ من ذلك، أنهما لم تكونا لتفلحا في تجنيبنا خطر وقوع الهجمات، التي تعرضنا لها من قبله. لذا فإن تنفيذ الفكرتين الإصلاحيتين المقترحتين، لن يحدث سو ى تحسين نسبي لا أكثر، في مقدرتنا على سحق تنظيم القاعدة وإلحاق الهزيمة الماحقة به، سيما وهو يتصف بكونه تنظيما "لا مركزيا". وللسبب عينه، فإن هناك تغييرات أكثر فاعلية، فيما لو جرى تبنيها من أجل رفع كفاءة أدائنا الأمني الاستخباراتي.
أول هذه التغييرات، أننا لا نحتاج إلى شخصية استخباراتية ذات كفاءة مهنية عالية في قمة الجهاز الاستخباراتي فحسب، بل نحتاج إلى عناصر وموظفين أكفاء، على امتداد الأجهزة القومية الاستخباراتية، سيما في وحدة التحقيقات التابعة لمكتب التحقيقات الفيدرالي"إف. بي. آي"، وكذلك في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية "سي. آي. إيه". فالملاحظ في هاتين المؤسستين بالذات، أن الموظفين يلتحقون بهما في الرتب الدنيا في بداية حياتهم المهنية، ثم يتدرجون في سلمهما الوظيفي حتى يصلوا إلى قمتهما. ولذلك ترسخ فيهم روح حماية الوظيفة، والاستماتة في الدفاع عنها، بما يتطلبه ذلك من خنوع، وميل للعزلة والاستحواذ، وتفادي المغامرات والخمول الذهني، وضعف الخيال والوسطية في مستوى الأداء العام. وما من سبيل لحقن دماء شابة جديدة في المستوى القيادي لهذين الجهازين، سوى تغيير معايير وأسس التعيين والترقية فيهما، حتى نتمكن من جذب الموظفين الجدد، الذين لا يعانون من "أنيميا الخيال"، التي ألقى تقرير هجمات الحادي عشر من سبتمبر، باللوم مراراً عليها، وحمَّلها مسؤولية ما حدث في ذلك اليوم الأسود.
ثانيا: إلى جانب الفصل المطلوب بين وظيفة مدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية، عن وظيفة المدير العام لجهاز الاستخبارات القومي، فإنه لابد لنا كذلك من وضع محللي وكالة المخابرات المركزية، في جسم استخباراتي، مستقل عن ذلك الجسم، الذي يتولى جمع المعلومات وتصنيفها. وهذا هو السبيل الوحيد الذي يؤمن تفادينا لتجربة الدمج بين وظيفة الجمع وتحليل الوثائق من قبل فريق" فكري" واحد، هو الذي يتحمل الفشل وسوء التقديرات، حول برامج الأسلحة العراقية المزعومة. وليس من قبيل المصادفة أن تكون الجهة الاستخباراتية الوحيدة، التي أصابت في تحليلاتها لبرامج الأسلحة العراقية، هي "مكتب الاستخبارات والبحوث" التابع لوزارة الخارجية. ولم يصب ذلك المكتب نجاحاً استثنائياً في هذا الجانب، إلا لكون الفريق العامل فيه، يتألف من مجموعة صغيرة من صفوة المحللين، توفر لهم مناخ تشجيعي، يحفز استقلالهم الفكري، ويجنبهم عوا