سعى أوباما في الأسابيع الماضية إلى توضيح تصريحه السابق الذي أيد فيه العودة إلى خط 1967 باعتباره أساساً للحدود الدائمة والمتفاوض عليها بين إسرائيل والدولة الفلسطينية في المستقبل، ذلك التصريح الذي أثار ردة فعل قوية لدى نتنياهو، الذي رفض فوراً الفكرة معللاً ذلك بعدم قابلية خط 1967 للدفاع عنه، متعهداً في الوقت نفسه بأن الدولة الفلسطينية لن تقوم على "حساب إسرائيل". واللافت في كل ذلك أن رئيس أكبر دولة في العالم، والراعي الرئيسي لإسرائيل، اهتز أمام الانتقادات الإسرائيلية اللاذعة إلى درجة شعر معها بضرورة توضيح موقفه وجلاء الغموض عن التصريح الذي أيد فيه خط عام 1967. ففي برنامج على محطة "أي. بي. سي" قال ميتشل، المبعوث الأميركي السابق إلى الشرق الأوسط: "لم يقل أوباما إنه يتعين على إسرائيل العودة إلى خط 67، بل أكد على تبادل متفق عليه للأراضي". وفي السياق نفسه هبَّ كبير موظفي إدارة أوباما السابق وعمدة شيكاجو الحالي، رام إيمانويل، للدفاع عن رئيسه في مقالة نشرها بـ"واشنطن بوست" سعى فيها، على ما يبدو، إلى تهدئة مخاوف إسرائيل، حيث أكد أن إدارة أوباما لا تتوقع من إسرائيل الرجوع إلى خط 67، بل تعتبره فقط أساساً للمفاوضات بين الفلسطينيين وإسرائيل بما قد يشمله ذلك من تبادل للأراضي. ولم يفوت إيمانويل، الذي يحمل جواز سفر إسرائيليّاً وتطوع مع الجيش الإسرائيلي خلال حرب الخليج الأولى، الفرصة لتأكيد التزام أوباما بالدفاع عن إسرائيل. وأخيراً تدخل أوباما نفسه لتطمين اليهود وتوضيح موقفه خلال المؤتمر السنوي لمنظمة "آيباك" بتشديده مجدداً على خط 67 كمنطلق للمفاوضات بين طرفي الصراع، وليس بالضرورة خطّاً نهائيّاً. وردّاً على تصريح نتنياهو بأن دعوة إسرائيل للانسحاب إلى خط 67 لا يمكن الدفاع عنها أوضح أوباما بكلمات صريحة في خطابه الذي ألقاه أمام "آيباك" أن التزام أميركا بأمن إسرائيل "ثابت". ومع ذلك توالت الانتقادات داخل أميركا تجاه تصريحات أوباما ومضامين خطابه، حيث اتهم "الجمهوري" المتطلع للرئاسة "مايك هوكابي" أوباما بأنه "خان" إسرائيل فيما وصف "تيم بولتني"، وهو أيضاً "جمهوري" آخر وباحث عن الرئاسة تأييد الرئيس لخط 67 بـ"الأمر الخطير"! هذا على رغم أن أوباما لا يتوقع من إسرائيل ولا يطلب منها الانسحاب إلى الخط المذكور! وبالطبع كان نتنياهو في طليعة منتقدي أوباما، بل لقد تجرأ على مطالبته بالتخلي عن حدود 67 وقال "إنني أتوقع أن أسمع من الرئيس تأكيداً للالتزامات التي قطعتها أميركا على نفسها تجاه الدولة العبرية في عام 2004" في إشارة إلى الرسالة التي وجهها بوش إلى شارون، وتعهد فيها بالسماح لإسرائيل بالاحتفاظ بالكتل الاستيطانية الكبرى "بالنظر إلى الحقائق الديمغرافية على الأرض"! والحقيقة أن السبب وراء هذا الانتقاد الذي قوبل به خطاب أوباما وحديثه تحديداً عن خط 67 يرجع إلى مجموعة من الدوافع، علماً بأن الموقف الأميركي لم يتغير كثيراً سواء في عهد إدارة بوش السابقة، أو الإدارة الحالية. وأول تلك الدوافع أن نتنياهو يفضل الوضوح الأيديولوجي لبوش وانحيازه السافر لإسرائيل على غموض أوباما واعتداله، والأخطر من ذلك إصرار نتنياهو على إلغاء مرجعية القانون الدولي التي يفترض أن تنبني عليها المفاوضات، لصالح مبدأ القوة والأمر الواقع الذي يعطي الأفضلية لإسرائيل. وتعني رسالة بوش إلى شارون أن الولايات المتحدة تسلك طريقاً واضحة في الانحياز إلى إسرائيل باستبعاد العودة إلى حدود 67، وهو ما يرقى إلى اعتراف أميركي بمشروعية ضم الأراضي والاحتلال بالقوة للمناطق الفلسطينية في انتهاك واضح للقانون والأعراف الدولية ورفض تام لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 242 الذي أكد في الديباجة أنه "لا يمكن قبول ضم الأراضي بالقوة". وهنا يكمن الاختلاف مع إدارة أوباما التي وإن كانت لم تأت بجديد عندما تحدث الرئيس عن خط 67 إلا أنها كانت أقل انحيازاً لإسرائيل، أو أقل وضوحاً في ذلك، فإدارة أوباما لا تطالب بالعودة الصريحة إلى خط 67، ولكنها أيضاً لا تستثنيها باعتبار أن ذلك مرهون بالمفاوضات بين الطرفين. ولكن المفاوضات نفسها لا تضمن عودة الحقوق الفلسطينية كما أظهرت ذلك مسيرة السلام الطويلة وعجز القيادة الفلسطينية طيلة الفترة السابقة عن انتزاع تنازلات ذات معنى من الدولة اليهودية ابتداء من اتفاقات "أوسلو" التي نسفتها الحكومات اليمينية المتعاقبة على إسرائيل، وليس انتهاء بخريطة الطريق التي أقرتها اللجنة الرباعية وقبرها التعنت الإسرائيلي ليتواصل الاستيطان ويستمر الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية دون هوادة. وعلى رغم المقاربة المخاتلة التي يعتمدها أوباما في التعامل مع القضية الفلسطينية التي تُظهر انحيازاً أقل تجاه إسرائيل بتركها الأمر كله للمفاوضات، إلا أنه يشترك مع إدارة بوش في نفي المرجعية الدولية للتفاوض ورهنها بميزان القوى بين الطرفين الذي يصب لصالح إسرائيل. وبدلاً من معالجة أوباما لهذا الخلل بالتركيز على مرجعية القانون الدولي والاتفاقيات الموقعة، فضل ترك الأمر مفتوحاً ليجد القادة الفلسطينيون أنفسهم أمام اقتراحات إما يقبلون بها، أو لا يحصلون على شيء فيلام الفلسطينيون على تضييعهم الفرص وتخرج إسرائيل من مأزقها، ليبقى في النهاية أن إدارتي بوش وأوباما متفقتان عمليّاً في الاصطفاف إلى جانب إسرائيل والاختلاف الطفيف في الأسلوب والمقاربة، لا أكثر.