قيل ذات مرة إن رئيس وزراء إسرائيل، لو وقف أمام جلسة مشتركة للكونجرس الأميركي وأخذ في قراءة الأسماء المدرجة في دليل هواتف مدينة واشنطن، فإن أعضاء الكونجرس سوف يصفقون له وقوفاً. وعلى نفس المنوال، قيل أيضاً إن الرئيس الفلسطيني، لو وقف أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة، وأخذ في قراءة الأسماء المدرجة في دليل هواتف مدينة نيويورك، فإنه سيقابل هو الآخر بتصفيق حاد. وعلى الرغم من ذلك، فإن الحقيقة هي أن هذين الزعيمين قد فشلا في تقريب بني وطنيهما بأي قدر، نحو السلام، على الرغم من المحاولات التي لا تنتهي - والتي لم يقدر لها النجاح - من المجتمع الدولي لحثهما على ذلك. في زيارته الأخيرة للعاصمة الأميركية واشنطن، كان لدى نتنياهو الفرصة لإلقاء خطاب بناء، وتقديم شروط ملائمة لعلاقة جديدة مع الفلسطينيين، بما في ذلك إبداء الرغبة والاستعداد لوضع جميع المسائل المعلقة بين الشعبين على طاولة المفاوضات. لكنه لم يفعل ذلك، بل فضل تعزيز حيثيات خطه المتصلب أمام جناحه "اليميني"، وإقناع الكونجرس الأميركي بالوقوف إلى جانبه مستخدماً في ذلك مزيجاً من التأثير الشخصي والبراعة السياسية المستمدة من خبرته الطويلة في الحكم. كانت من المحتم أن تقابل محاولاته تلك ببيانات سلبية من جانب الفلسطينيين، وبقدر كبير من الإحباط من جانب المؤيدين "المستنيرين" لإسرائيل سواء في الولايات المتحدة أو أوروبا، الذين أدركوا أن النهج الذي يتبعه رئيس الوزراء الإسرائيلي سيقود حتماً إلى كارثة. الجولة الأولى في المواجهة الجديدة بين الإسرائيليين والفلسطينيين ستكون، أغلب الظن، في الأمم المتحدة في شهر سبتمبر المقبل، الذي يتوقع أن يطالب الفلسطينيون المنظمة الأممية بالاعتراف بهم كدولة. وهو طلب، تبين مؤشرات عديدة على أنه سوف يحظى بدعم غالبية أعضاء الجمعية العمومية. وغني عن القول، إن الولايات المتحدة سوف تصوت بالرفض، كما اعتادت دائماً في أي تصويت يمكن أن يدين إسرائيل، ولكن من غير المعروف هذه المرة كم من الدول الأوروبية على وجه التحديد ستنضم إلى الولايات المتحدة في هذا الموقف. ولو كان نتنياهو قد ألقى خطاباً عملياً وبناءً في واشنطن، لكانت دول الاتحاد الأوروبي قد أبدت استعداداً لبذل جهود ومحاولات من أجل قطع الطريق على التصويت بالموافقة على الطلب الفلسطيني في الأمم المتحدة. أما الآن، ونتيجة لموقف نتنياهو الأخير، فليس من الواضح ماذا سيفعلون خلال جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة التي ستخصص للتصويت على هذا الطلب. على أية حال، لو حصل طلب الفلسطينيين الاعتراف بدولتهم على أغلبية كبيرة - كما يتوقع كثيرون - فسوف يكون ذلك بمثابة انتكاسة دبلوماسية في غاية الخطورة للولايات المتحدة وإسرائيل على حد سواء. وعلى رغم أن اعتراف الجمعية العامة للأمم المتحدة لن تكون له قوة القانون الدولي، إلا أنه سيمثل من دون أدنى شك نصراً رمزياً كبيراً للفلسطينيين، وهو ما سيؤدي بالتالي للمزيد من العزلة لإسرائيل داخل المجتمع الدولي، كما يمكن له أيضاً أن يفجر انتفاضة ثالثة ضد الاحتلال، يمكن أن تتسم بطابع غير عنيف، بل يتم تصميمها وفقاً لخطوط الاحتجاجات التي قام بها ملايين المصريين عندما خرجوا بشكل سلمي إلى ميدان التحرير الشهير في وسط القاهرة لإسقاط نظام مبارك الذي حكم البلاد لما يقرب من ثلاثة عقود. المعضلة التي يواجهها الفلسطينيون هي أن اتفاق المصالحة بين "فتح" و"حماس" لم يخضع بعد للاختبار، حيث لا تزال هناك أسئلة تحتاج إلى إجابة قاطعة مثل: هل "حماس" مهتمة بالتعاطي مع الجهود الرامية للتوصل لاتفاق سلام مع إسرائيل؟ هل هي قادرة على كبح جماح العناصر والجماعات المتطرفة التي ما تزال تراودها في شن هجمات عشوائية بالصواريخ ضد سكان المدن الإسرائيلية الجنوبية المتاخمة لقطاع غزة؟ أن التراجيديا التي تصبغ الوضع الحالي هي أنه يأتي في وقت يعتبر، على نحو ما، الوقت المثالي لإحداث التغيير المنشود. فهناك في البيت الأبيض، رئيس أميركي لديه التصميم على حل هذه الأزمة، إذا ما كان ذلك ممكنا. وهناك إلى جانب ذلك، فوران ذو أبعاد شديدة الدراماتيكية في العالم العربي، يحقق التغيير كل يوم. وهناك إلى جانب ذلك، نهضة حقيقية في الضفة الغربية المحتلة، بفضل الجهود التي بذلها فياض، والإجراءات الأمنية الفعالة الأكثر حزما التي طبقت بفضل التعاون الأمني بين الفلسطينيين والولايات المتحدة والأردن والذي جعل مدينة رام الله عاصمة السلطة الفلسطينية تعيش في الوقت الراهن حالة من الازدهار، وتنعم بأجواء سلام، وتعج بدور السينما، والمطاعم، والكافتيريات والملاهي، والأنشطة الفنية، وكافة أنواع الأنشطة التي لم يكن أحد يسمع عنها منذ سنوات قليلة. إذا لم يحدث شيء إيجابي في الشهور القادمة، فإن الولايات المتحدة ستدخل في دورة انتخابية جديدة ومريرة يلوم فيها "الجمهوريون" أوباما ويؤيدون نتنياهو. ولكن الجمود الحالي في الوضع لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية.. فإن آجلاً أم عاجلاً، سيدرك الجميع، بمن فيهم الكونجرس الأميركي أن هناك حاجة لتغييرات كبيرة على الجانبين، وأن مصداقية الولايات المتحدة، كوسيط نزيه، آخذة في التقلص السريع. والمشكلة أن هذا يحدث في وقت يعاني فيه الأميركيون من إرهاق زائد بسبب الالتزامات العسكرية التي لا تنتهي، والتي تشمل منطقة واسعة تبدأ من شرق المتوسط وحتى جبال هندوكوش. وفك ارتباط أميركا مع تلك الالتزامات، لن يكون في صالح المنطقة، ومن المؤكد للغاية أنه لن يكون في صالح الفلسطينيين ولا الإسرائيليين.