في عام ،1998 وصل إيثان جاتمان مؤلف الكتاب الذي نقوم بعرضه في هذه المساحة إلى بكين بحثا عن الصين الجديدة· الكتاب عنوانه: فقدان الصين الجديدة: قصة التجارة الأميركية ، والرغبة والخيانة · أما المؤلف فقد عمل في السنوات الأخيرة في مدينة بكين كمستشار لشركة كبرى من شركات العلاقات العامة، كما عمل مع تلفزيون الصين كمنتج تنفيذي للبرامج الحوارية الأميركية-الصينية المشتركة، في الوقت نفسه الذي كان يكتب فيه بصفة منتظمة لبعض المطبوعات الآسيوية مثل آسيان وول ستريت جورنال و ويكلي ستاندارد ، و إنفيستور بيزنس ديلي وغيرها· عندما وصل جاتمان إلى الصين للمرة الأولى، فإنه استطاع كما يقول أن يجد لنفسه مكانا وسط الجالية الأميركية من رجال الأعمال المقيمين هناك· ويصف جاتمان هذه الجالية بأنها تمثل قلعة أميركية في الأراضي الصينية، أو معادلا تجاريا لمعسكر حربي يتم فيه استقبال أي وافد جديد من رجال الأعمال الأميركيين، وتلقينه درسا مفاده أن النمو الاقتصادي الذي تشهده الصين في كافة المجالات، يوفر له ولغيره من رجال الأعمال الأميركيين، فرصة لا تعوض لتحقيق أكبر قدر من الأرباح في أقصر مدة ممكنة·
وسمع المؤلف من خلال تردده على مجمع رجال الأعمال الأميركيين في الصين أن أفضل سبيل لتحقيق ذلك الثراء السريع هو القيام- كما تفعل كبريات الشركات الأميركية العاملة هناك برشوة المسؤولين الصينيين لتسيير الأمور، وتسهيل العمل، والتغلب على العقبات الإدارية، والإجراءات الروتينية الطويلة والمعقدة، وعقد الصفقات التجارية· والحصول على حصة كبيرة من السوق· كما سمع عن وسائل أخرى تتبعها تلك الشركات مثل التلاعب في الدفاتر المحاسبية من خلال تضخيم أرقام النفقات، ومضاعفة الخسائر، للتهرب من الضرائب والرسوم الجمركية، وتقديم العاهرات الصينيات الممشوقات، وتوفير إقامة في فنادق من خمسة نجوم للوفود التابعة للشركات الأميركية الكبرى الجديدة التي تصل إلى الصين لإيجاد حصة لها في أسواقها، أو من أجل إقامة علاقات تجارية لتصدير المنتجات الصينية إلى الأسواق الأميركية· وفي هذا الطريق السريع للثراء -على حد وصف المؤلف- لم يكن النجاح يقاس بمقدار الحصة التي تحصل عليها الشركة في السوق، ولكنه كان يحسب أيضا بالقدرة على تقديم الخدمات، وشراء الذمم، والتكتل من أجل إتاحة الفرص للشركات الصينية لدخول السوق الأميركي مقابل دفع أموال طائلة كرشاوى·
وقد بدأ المؤلف في كتابة مذكراته اليومية منذ اليوم الأول الذي وصل فيه إلى أراضي الصين، وحرص في تلك المذكرات على تسجيل كل ما رآه وما سمعه وما لاحظه· وكتب عن أثر الاستثمارات الخارجية الضخمة في تحويل الخريطة الاقتصادية والاجتماعية للصين وعن المشاعر القومية الجديدة والمحمومة السائدة في أوساط طلاب الجامعات الصينيين كرد فعل على تيارات الغزو الثقافي والتجاري الأجنبي لبلادهم، وكتب المؤلف أيضا عن الشركات الإلكترونية البازغة في الصين وعن المراكز التجارية المزدهرة فيها · وقد بدأ المؤلف كتابه -بعد المقدمة مباشرة- بالحديث عن الاضطرابات التي اندلعت في الصين عقب حادث تفجير مقر السفارة الصينية في مدينة بلغراد ، ثم انتقل بعد ذلك إلى الحديث عن التيار المعادي للأمركة الذي نشأ في الصين، وما يشعر به سكانها من احتقار للديمقراطية، وقيم الليبرالية ولكل ما يأتي من ناحية أميركا· كما يتناول أيضا ما قامت به شركات التقنية والاتصالات الأميركية الكبرى من عمليات نقل واسعة النطاق للتقنيات، والخبرات المتطورة إلى السوق الصينية، الذي رأت فيه الكثير منها فرصة لا تعوض للخروج من حالة الركود التي تعاني منها منذ وقت طويل جراء تراجع الأداء الاقتصادي الأميركي منذ سنوات· ويخصص المؤلف فصلا من كتابه للحديث عن الكيفية التي تمكنت بها الحكومة الصينية من مراقبة ، وتطهير، وفي النهاية عزل، المواقع الصينية على شبكة الانترنت العالمية بمساعدة عدد من الشركات الأميركية الكبرى العاملة في هذا المجال مثل سيسكو و صن ميكروسيستم و ياهو · ويشير المؤلف في هذا السياق إلى أن رغبة الحكومة الصينية في مراقبة مواقعها على الانترنت لا ترجع إلى أسباب اجتماعية أو إلى رغبتها في المحافظة على النسيج الأخلاقي للمجتمع الصيني، أو تراثه العريق، وإنما ترجع إلى أسباب سياسية في المقام الأول منها خوفها من لجوء بعض الجماعات السياسية السرية المعارضة لها، إلى الاستفادة من إمكانيات الشبكة، في نشر أفكارها، ومبادئها، والإعلان عن نفسها، وضم أعضاء جدد إلى صفوفها·
كتاب فقدان الصين الجديدة ··· هو كتاب ألفه رجل يعتبر من المطلعين على بواطن الأمور في أوساط الجالية الأميركية المقيمة في الصين عن التجارة والاستثمارات الأميركية في ذلك البلد في القرن الحادي والعشرين· ويحفل الكتاب بالعديد من الأحداث، والروايات، والأشخاص، مما يجعل منه سجلا حافلا، وممتعا في الآن ذاته للتجارة، والحياة الشخصية للغرباء في أرض غريبة· ومما لا شك فيه أن القراء سيخرجون بعد الانتهاء من قراءة هذا الكتاب المه