قادتني ظروف شخصية إلى مدينة مونتريال الكندية، عاصمة مقاطعة "كيبيك" التي أكسبها خطاب "شارل ديغول" في 1967 شهرة عالمية. فمنذ أن حيى الرئيس الفرنسي الراحل "كيبيك الحرة"، متسبباً بأزمة مع الفيدرالية الكندية، غدا الجميع على بيّنة من المشكلة هذه. وكان الظن أن كندا بلداً بلا مشاكل من ذاك النوع الذي تعرفه بلداننا في العالم "الثالث". وشيئاً فشيئاً راحت تتدافع إلى واجهة الأحداث أزمات غير مسموع بها من قبل خارج نطاقها الجغرافي المباشر. ففي بريطانيا العظمى هناك مشكلة اسكتلندية، وفي أسبانيا هناك مشكلتان على الأقل، "باسكية" و"كاتالانية"، وفي فرنسا مشكلة "كورسيكية". وقبل سنوات قليلة، تبين أن إيطاليا تعيش مشكلة شمالية، فضلاً عن تلك الجنوبية المزمنة، وأن هناك حزباً يريد الاستقلال للشمال الإيطالي الذي أسماه بلاد "بادانيا". وثمة من يضع هذه الظواهر كلها تحت عنوان عريض "اللعنة الايرلندية" فمنذ أن استقلت ايرلندا الجنوبية عن بريطانيا في 1916، وباتت تعرف بالجمهورية الايرلندية، يعيش الشطر الشمالي حالة نزاع مركّب. ضد البريطانيين من جهة وفي ما بين الكاثوليك والبروتستانت من جهة أخرى. وهذا النزاع، الذي يشتد عنفه حيناً ويخفت أحياناً، يبقى أول وأهم الصراعات الأهلية في البلدان المتقدمة. إذاً، العالم الأوروبي والأميركي، لا يخلو من النزاعات الأهلية التي نعرفها.
مع هذا، تبقى لمشكلة "كيبيك" خصوصيتان تميزانها عما عداها. فذاك التحدي الفرنسي الكاثوليكي لـ"الهيمنة الانجلوساكسونية ـ البروتستانتية"، إنما يحصل على مرمى حجر من الولايات المتحدة الأميركية الموصوفة بنزوعها الإمبراطوري الذي يطاول العالم بأسره.
ثم إن كندا الغنية والتي تفوق مساحتها مساحة جارتها الأميركية في جنوبها، لا يعيش فيها من السكان إلا ثُمن السكان الأميركيين، ما يعني أن الصراع الدائر هناك لا صلة له إطلاقاً بالموارد الاقتصادية وامتلاكها وتوزيعها. وهذا ما لا يزال يجذب إلى كندا أعداداً من المهاجرين القادمين من سائر أنحاء العالم، بمن فيهم العرب؟ فقد انتقل إليها في العقود الأخيرة أقباط مصريون عارضوا سياسات الرئيس جمال عبدالناصر، ومسيحيون عراقيون وسوريون لم تعجبهم سياسات حكوماتهم العسكرية. وربما كانت أهم الهجرات المتأخرة نسبياً هجرة الشبان المسيحيين اللبنانيين في 1990، ممن غادروا المناطق الشرقية من بيروت بعد سقوط حكومة الجنرال "ميشال عون" ودخول القوات السورية وحلفائها إلى عمق تلك المناطق. وهؤلاء الشبان الذين يعدّون بعشرات الآلاف، شكلوا مناطق سكنية خاصة بهم في مدن كندا، يمارسون فيها عاداتهم وطقوسهم ويتداولون أخبارهم ويأكلون مآكلهم. ولن يكون من الصعب العثور على شاب لبناني يقود سيارة أجرة عامة "تاكسي"، أو يعمل في مطعم أو مقهى في مدينة "مونتريال"، كما لن تصعب ملاحظة التشدد لدى غالبيتهم في وضع شارات دينية كالصليب وصورة "مريم العذراء"، إما في أعناقهم أو في سياراتهم.
وهذه العيّنات لا تدل على هجرة الأقليات الدينية العربية من مسيحيين ويهود فحسب، ولا تقتصر على الهجرة إلى كندا وحدها. فالأقليات المذهبية في العالم العربي ليست أفضل حالاً من الأقليات الدينية، على ما يشير وجود الجاليات الضخمة من الشيعة العراقيين في أميركا الشمالية وأوروبا الغربية. وينطبق الشيء نفسه على الأقليات الإثنية، حيث باتت الهجرة الكردية تتباهى، هي الأخرى، بأرقام من عيار أرمني ويهودي.
فإذا صح أن المناطق الجبلية الحصينة، كهضاب "كردستان" وجبال لبنان، إنما جعلها الخوف من بطش السلطة المركزية مقصد تلك الأقليات، فهذا ما شرع يتغير في العقود الأخيرة تحت تأثير عاملين اثنين على الأقل. فمن جهة، تعاظمت احتمالات الهجرة إلى الخارج وفرصها، ومن جهة أخرى باتت الأسلحة الفتاكة التي تملكها الأنظمة السلطوية قادرة على دك المعاقل الجبلية التي درجت الأقليات على التحصن بها في الأزمنة الغابرة.
وقصارى القول إن النزاعات الأهلية ونزعات الاستبداد في العالم العربي تهدد بإفقاره من كل تعدد، فيما النزاعات الأهلية في البلدان المتقدمة لا تمنعها من استقبال الهاربين إليها الذين يفرون من بلدانهم. وهذا إنما يرقى إلى فارق نوعي كبير. ذاك أن ما نعيشه اليوم، على الصعيد هذا، يشبه ما عاشته أيرلندا في القرن السابع عشر. يومها تأدى عن الاحتلال الإنجليزي لها والعنف الذي أعقبه انفجار إحدى أكبر الهجرات التي سجلها التاريخ. أما الآن، فلا يكلف النزاع الأيرلندي على مدى عام كامل، عدد القتلى الذي ينجم، في أسبوع واحد، عن نزاع مماثل في بلد من "العالم الثالث".
والحال أن معظم النزاعات الأهلية في العالم المتقدم شرع يجد أشكال تصريفه السياسي، فيما غدت الأعمال العسكرية أكثر فأكثر هامشية. يصح هذا في "كيبيك" التي يتمثل حزبها الانفصالي، "الكتلة الكيبيكية"، في البرلمان، كما يصح في أيرلندا الشمالية نفسها حيث بات "شين فين" حزباً سياسياً لا صلة له (علناً على الأقل) بالجيش الجمهوري الأيرلندي. وحتى في "