إننا في عصر المراجعة. مراجعة كل شيء حتى المسلَّمات التي تربَّـت عليها أجيال بأكملها مثل القومية العربية، ومناهضة الاستعمار والصهيونية، بل والاشتراكية، وإعادة توزيع الدخل القومي، والتصنيع، ومجانية التعليم، وتدعيم المواد الغذائية لمحدودي الدخل، والإصلاح الزراعي، والتخطيط، والتنمية المستقلة، وتحالف قوى الشعب العاملة.
ومن ضمن المراجعات، الدولة الوطنية المستقلة التي حاربت من أجلها حركات التحرر الوطني وجبهات التحرير، وانتزعتها من براثن الاستعمار وقوى الهيمنة والتي أصبحت عبئاً على الداخل والخارج على حد سواء. فهل يتم التخلص منها بالعدوان الخارجي؟ وهل تنهار بفعل قصورها الذاتي الداخلي؟ هناك ثلاثة مخاطر خارجية على الدولة الوطنية. الأول العولمة، وضرورة ذوبان الدولة الوطنية في كيان أعم هو السوق. وتخضع لقوانين أعم هي قوانين السوق. فالعالم قرية واحدة، لا يتسع لعدة قرى صغيرة فيه. ومن ثم لزم تخلي الدولة عن إرادتها الوطنية وإسقاط حواجزها الجمركية، وفتح أبوابها للاستيراد. فالتكتلات الصناعية الكبرى مثل الشركات المتعددة الجنسيات ومجموعة الدول الثماني الأكثر تصنيعاً في العالم هي وحدها القادرة على التصدير. وعلى الدولة أن تدخل في المنافسة مع غيرها وكأن الصغير يستطيع المنافسة مع الكبير، ويربح مثله. رأس المال العالمي، وبورصات الأوراق المالية، والبنوك الدولية، ومنظمة التجارة العالمية، واتفاقية "الجات"، هي البديل عن الدولة الوطنية التي هي مجرد جهاز استقبال لنظام العالم الجديد الذي يتجدد كل عدة عقود من الزمان طبقاً لتغير ميزان القوى في العالم.
والخطر الثاني العدوان الخارجي من الدول الكبرى على الدول الصغرى ومن أكبر دولة في العالم، الولايات المتحدة الأميركية، القطب الواحد بعد نهاية عصر الاستقطاب، على كل من يشق عصا الطاعة عليها مثل العدوان على أفغانستان ثم العراق ثم تهديد إيران وسوريا وليبيا والسودان. والذرائع موجودة: القضاء على الإرهاب، القضاء على أسلحة الدمار الشامل، القضاء على الأنظمة التسلطية، الدفاع عن حقوق الإنسان. بل إن القطب الثاني في عصر الاستقطاب قام أيضاً بالعدوان على الشيشان قاضياً على استقلالها مع اتفاق ضمني مع القطب الأول على مقايضة الشيشان بالعراق وأفغانستان، واحدة باثنتين. فالقطب الثاني في حاجة إلى القطب الأول في المعونات الغذائية والاستثمارات والتجارة الخارجية. ويتم ذلك خارج الشرعية الدولية وخرقاً لميثاق الأمم المتحدة، وضد إرادة شعوب العالم كله بما في ذلك الدول المعتدية. فقد خرجت الملايين في شوارع العواصم الأوروبية ضد العدوان على أفغانستان والعراق وفلسطين. والمصالح الكبرى هي التي تحرك الدول الكبرى وليس المواثيق الدولية أو القيم الأخلاقية.
ويقوم الكيان الصهيوني بدور الدول العظمى. فيعتدي على الشعب الفلسطيني. ويبتلع فلسطين كلها، نصفها في 1948، والنصف الآخر بعد 1967، وبتواطؤ القطب الأول ومساندته. فاليمين هو الحاكم في الإمبراطوريتين. والعدو واحد. الإرهاب الدولي و"الإرهاب" الفلسطيني. فمازالت حركة التحرر الوطني الفلسطيني هي الوحيدة التي تناضل من أجل إنشاء الدولة الوطنية بعد استقلال جنوب أفريقيا ونهاية النظام العنصري.
والخطر الثالث أن مستقبل التكتلات الكبرى خارج العولمة هو التحول إلى فسيفساء عرقي طائفي باسم العرق أو الطائفة. فيتجزأ الوطن العربي إلى دويلات عرقية طائفية، عرب وبربر في المغرب العربي، وسنة وشيعة وأكراد في العراق والخليج، مسلمون وأقباط في مصر، سنة وشيعة ومارونيون في لبنان، نجديون وحجازيون في السعودية، زيدية وشوافع في اليمن، عرب وأفارقة في السودان وتشاد ومالي ونيجيريا، بدو وحضر في الأردن. فالعولمة ليست ذات اتجاه واحد، توحيد المركز، مجموعة الثماني، بل أيضا تجزئة الأطراف. وما وحّده الإسلام إنسانياً وثقافياً جزأه نظام العالم الجديد عرقياً وطائفياً.
وتهدد الدولة الوطنية كذلك ثلاثة مخاطر داخلية. الأول القهر في الداخل. فقد تحولت الدولة الوطنية التي قامت بفضل حركات التحرر الوطني إلى دولة قاهرة مستبدة. حكم القادة الوطنيون في السابق باسم التحرر الوطني بعد انقسامهم على أنفسهم، وتصفية أجنحتهم بعضها لبعض آخر. هرب البعض إلى خارج البلاد. وكون البعض الآخر حركات سرية تحت الأرض. وأسس فريق ثالث أحزاب معارضة شرعية ضعيفة لا تستطيع المشاركة في بناء الدولة إلا بموافقة الحزب الحاكم وكنوع من "الديكور" الديمقراطي وسط خضم من الانتخابات المزيفة، تحافظ عليها أجهزة الأمن وقوات الشرطة. قراراتها السياسية والتحولات الكبرى فيها مرهونة بإرادة الحاكم، الزعيم والمناضل والمجاهد والأخ والرئيس إلى آخر أسمائه التسعة والتسعين تشبهاً بأسماء الله. لا يترك السلطة إلا بموت أو انقلاب. هو رئيس مدى الحياة بلا تداول للسلطة. ويتم تعديل الدستور حتى يتفق مع هواه وعمره هو أو أبنائه من بعده وربما أحفاده. وتتحول الدولة الوطنية إلى ملكيات وراثية، لا فرق بين جمهورية وملكية وج