في عهد النظام السابق في مصر أصبح الهاجس الأمني حاضراً في كل مكان. داخل الجامعة وخارجها، وفي الجامع، وخاصة بعد صلاة الجمعة وجماهير المصلين، والكنيسة وخاصة أيام الآحاد بعد القداس. وهي أماكن العلم والعبادة التي تستمد عادة أمنها قبل الخارج، من الداخل أي من العقل والقلب، العلم والإيمان. وامتد الهم الأمني إلى الحياة العامة، فالخوف ليس فقط من جماهير الطلاب أو جمهور المؤمنين بل من الأفراد والتنظيمات. وامتد إلى مؤسسات الدولة ودور الحكومة وأقسام الشرطة ومباني وزارات الداخلية والأمن العام. كما امتد إلى المطارات والفنادق والأماكن السياحية والميادين العامة والشوارع حتى أصبح الهم الأمني مسيطراً على كل شيء. يعيش المواطن في تحت ضغط الهاجس الأمني، ويتصور العالم كله مهدداً. وفي الثقافة الشعبية، الحارس هو الله. وفي المرويَّات أن مشركاً رفع سيفه فوق رأس الرسول، صلى الله عليه وسلم، وسأله: من يحرسك مني؟ فأجاب: الله، فسقط السيف من يد من كان ينوي القتل. وفي رواية أخرى دخل الغمد. ولم تمنع الإجراءات الأمنية يوم 6 أكتوبر، من اغتيال رئيس الجمهورية الثانية وهو بين جنوده وفي أوج عظمته وبهائه. وقد أصبحت الجامعة في مصر، خلال تلك الفترة، وكأنها ثكنة عسكرية تحيط بها عربات الأمن المركزي من كل جانب، وبجانبها جنود بالخوذات والعصي في وضع استعداد. وقد تعجب أحد الأساتذة الزائرين من هذا المنظر وسأل: هل أنتم في حرب، يا ترى؟ وبدلًا من أن تحف المكتبات على حافتي الطريق يطّلع عليها الطلاب ويقتنون ما يشاءون كامتداد للجامعة خارج الأسوار وخلق جو ثقافي امتداداً للجو العلمي، كانت تقف عربات الأمن المركزي لتحاصر طلاب العلم إن هم تجرأوا وخرجوا من الأسوار كطلاب علم ومواطنين، يحملون هموم الفكر وهموم الوطن وكأن العلم لا وطن له، وكأن الوطن لا علماء فيه. والحرس الجامعي داخل الأسوار، ومكتب قائد الحرس تحت القبة، رمز الجامعة، داخل الحرم الجامعي، وهو تناقض، فالحرم لا حرس فيه، وهو مثل الأشهر الحرم، لا قتال فيه ولا عنف، والمهمة في الظاهر حراسة المباني الجامعية ضد الحرائق العفوية أو المقصودة في حالة غضب الطلاب المتظاهرين. والمهمة في الواقع الرقابة على الطلاب والأساتذة ومعرفة اتجاهاتهم، فلا تقام محاضرة عامة أو أي نشاط علمي ثقافي خارج قاعات الدرس إلا بموافقة الحرس الجامعي. والحقيقة أن الحرس الجامعي ليس فقط داخل الأسوار بل هو أيضاً داخل العقول. أصبح الهم الأمني يعيش في عقول الأساتذة. يوجههم ويسيطر عليهم كهاجس وإن لم يكن كواقع، فلا يتخذ رؤساء الأقسام قراراً فيما يتعلق بالنشاط العلمي والثقافي خارج إطار المقررات الرسمية إلا بموافقة العمداء. ولا يتخذ العمداء قراراً في الموضوع إلا بموافقة نواب الجامعة أو أمنائها. ولا يتخذ النواب أو الأمناء قراراً إلا بموافقة الأمن العام. وبالتالي استحال استقبال أستاذ زائر عابر لمدة يوم واحد إلا بعد هذه الموافقات التي قد تستغرق أسابيع أو شهوراً. وقد لا تأتي. والسكوت علامة الرفض وليس علامة الرضا. فتضيع على الجامعة مناسبات نادرة لاستقبال أحد الأساتذة العابرين الذي يود التعرف على زملائه في تخصصه، يتبادل معهم النقاش والخبرة. ثم بعد ذلك نشكو أن ترتيب الجامعة المصرية خارج الخمسمائة جامعة الأولى في إحصاء الصين الأخير. فليس الأمر العلم بل الوطن، وارتباط العلم بالمشروع القومي. ليس الأمر بالتعليم ولكن بحرية الفكر والبحث العلمي. ليس الأمر بالإدارة الجامعية بل بزمام المبادرة من الأساتذة ورؤساء الأقسام والعمداء ورؤساء الجامعات ونوابها. ونشكو من انهيار مستوى التعليم، وانخفاض مستوى الأساتذة وبالتالي مستوى الطلاب، وتحويل الجامعة إلى دار للتحفيظ لا فرق بينها وبين المعاهد. نشكو من أنها تحولت إلى كتب مقررة ومذكرات مشفرة تداس بالأقدام بعد أداء الامتحانات أمام الكليات وفي حرم الجامعة. نشكو من أنها تحولت إلى مؤسسة ربحية، تؤجر قاعات المؤتمرات لعقد المؤتمرات العلمية، وترفع رسوم التسجيل لطلاب الليسانس والدراسات العليا، وتنافس الجامعات الخاصة في التعليم المميز المدفوع الأجر. وتقدم التعليم المفتوح لمن يدفع. وتجعل الأساتذة يتنافسون لزيادة مرتباتهم عن طريق نظام الجودة الذي حول الأستاذ إلى أجير، صاحب حرفة، وطالب أجر إضافي. صحيح أن هناك بدائل عن الجامعة كمنابر للعلم والفكر والثقافة مثل الجمعيات العلمية والأدبية والثقافية، والجمعيات الأهلية، ومنظمات المجتمع المدني، والمجلس الأعلى للثقافة، والجلسات الخاصة في المنازل، ولكن ذلك كله لا يغني عن الجامعات كمنارات للعلم والثقافة. فقد نشأت الجامعة المصرية عام 1925 من حضن ثورة 1919. كما نشأت مدرسة الحقوق من قبل 1907 في خضم الحركة الوطنية والحركة الإصلاحية. لا غنى عن الأساتذة الأحرار داخل الجامعة الذين يعتزون بدورهم العلمي والوطني، وتحمل نشاطهم العلمي والثقافي على مسؤولياتهم الخاصة، فالعلم له الأولية على المنصب الإداري، ورسالة الجامعة لها الأولية على سلطة الإدارة. ومصلحة الوطن لها الأولية على كل ما عداها. وماذا يضير لو كان الجميع أحراراً؟ فالجامعة هي الأستاذ والطالب والمكتبة وليس الإدارة. وقد ارتبطت الجامعة بأسماء الأساتذة الأحرار مثل أحمد لطفي السيد وطه حسين وأمين الخولي وغيرهم ممن استقالوا احتجاجاً على النيل من استقلال الجامعة أو طردوا بسبب تجديد مناهج البحث العلمي في الجامعة. ومذابح الجامعة، طرد الأساتذة الأحرار زرافات ووحداناً، مثل مذبحة القضاء، معروفة في تاريخ الجامعة، مذبحة 1954 لطرد الأساتذة المعارضين للنظام، ومذبحة 1981 لطرد الأساتذة المعارضين لاتفاقية كامب ديفيد 1978، ومعاهدة السلام بين مصر وإسرائيل 1979، وعزل مصر عن الأمة العربية، والتحالف المصري الأميركي، والتحول من الاشتراكية إلى الانفتاح الاقتصادي. نشأت الجامعة مستقلة ويا ليتها تعود مستقلة كما نشأت، فيتم انتخاب رؤساء الأقسام وعمداء الكليات ورؤساء الجامعات حتى يكون الولاء للجامعة وليس للنظام السياسي. ويستقل رؤساء الجامعات عن الحزب الحاكم كما استقل أخيراً شيخ الأزهر حفاظاً على استقلاله. فالعلم وليس الإدارة في خدمة الوطن، والدين في خدمة الشعب. تحية لنضال حركة 9 مارس التي ما زالت تدافع عن روح الجامعة واستقلالها منذ نشأتها قبل أن تتحول إلى مؤسسة حكومية، وتعود الجامعة للجامعيين، ويعود الجامعيون إلى أنفسهم أملًا في نهضة مصر من جديد. وكما كانت الجامعة في 1925 بنت ثورة 1919، فمتى تكون الجامعة الجديدة بنت التحولات القادمة؟