كل الدلائل والمؤشرات وتصريحات المسؤولين كانت تقول إن الوزارة استعدت هذا العام بنسبة 100% وإن غالبية المشكلات التي كانت تحدث في الأعوام السابقة تمت معالجتها وحلها جذرياً وإن الخطط والمشروعات والأفكار الجديدة والحلول البديلة ستلعب دوراً مؤثراً ومهماً في تغيير الحالة التعليمية والصورة الذهنية المعتادة لدى الرأي العام والمجتمع عن التعليم ومشكلاته وخاصة أن هذا العام هو عام بدء تنفيذ مشروعات رؤية 2020 على أرض الواقع· مضى الصيف وبدأ العام الدراسي ودخل الجميع إلى مدارسهم (طلابا ومدرسين) وما هي إلا أيام وحدثت المفاجأة· مدارس بدون معلمين، فصول بدون مكيفات، نقص كبير في التجهيزات والكتب، طلاب يجلسون في مقاعد الدراسة دون دراسة منذ شهر··· إلخ· كل تلك الاستعدادات والتصريحات حبر على ورق وشعارات للاستهلاك المحلي· وتأتي الجولة التفقدية لمعالي أحمد حميد الطاير وزير التربية والتعليم والشباب بالإنابة، المفاجئة لتكشف عمق المشكلة وتشير إلى الخلل الذي يعاني منه التعليم الإدارة والقيادة في الجهاز الإداري· قيادات كبيرة غابت عن العمل، 50% من الموظفين غير موجودين بسبب وإهمال، وانشغالهم بقراءة الصحف وتناول الإفطار· سوء تقييم وعدم دقة في رصد المعلومات··· إلخ·
وهذا بالضبط ما تحدثنا عنه ونبهنا إليه منذ سنة في سلسلة مقالات تحت عنوان إصلاح التعليم في مجلة آفاق تربوية التي تصدر عن وزارة التربية والتعليم· قلت يومها: إنه على رغم الجهود التي تبذلها الوزارة في عملية إصلاح وتطوير التعليم إلا أن هذه الجهود تواجه نوعاً من التحديات والتي لابد من تداركها قبل فوات الأوان وقبل أن تتحول إلى مشكلات مزمنة ، وأهم هذه التحديات العنصر البشري الذي يقود عملية التطوير والتغيير في المؤسسة التربوية· فلابد أن تكون لدينا قيادات على مستوى عال من الكفاءة حيث إن السبب الرئيسي لضعف حالة التعليم لا يتوقف عند موضوع المعلم أو المنهج أو المدرسة، وإنما المشكلة الأساسية في التعليم هي مشكلة إدارة ،حيث لا يزال البعض يدير هذه العملية بعقلية الخباز، أو صاحب البقالة ، وأول ما يهمه في كل هذه العملية هو أن تنشر صورته أو أخباره في الصحافة، وقلت كذلك إن المشكلة التي يعاني منها التعليم تتركز في نقاط عدة أهمها:
1- أن بعض القيادات جاء إلى كرسي المسؤولية دون أن تكون لديه معرفة حقيقية بحالة التعليم ومشكلاته، والبعض الآخر لم يكن أصلاً متخصصاً في مجال التعليم أو ممارسا لمهمة التعليم، ومن هنا ظهرت عوارض الفشل في تطبيق بعض السياسات الصحيحة لزيادة الإنتاجية في حقل التعليم وهذا الأمر يبدو اليوم واضحاً للجميع فيما حدث في بداية العام وما شاهده معالي وزير التربية والتعليم بالإنابة في زيارته الأخيرة·
2- تآكل طبقة القيادة الوسطى أصحاب الخبرة الطويلة والكفاءة المتميزة والتي عاصرت مراحل التعليم ومشكلاته نتيجة خروج نسبة كبيرة منها لأسباب عديدة أهمها الشعور بالتهميش أو عدم الحصول على الترقية التي تستحقها· هذه الفئة كانت تمثل صمام الأمان وتلعب دوراً مهماً في عملية التوازن الفكري والمعرفي بين السلطة العليا والقاعدة·
3- تحول المركز الوظيفي عند البعض من مسؤولية خدمية تخدم واقع التعليم وتؤسس لعملية الإصلاح والتطوير الجاد، إلى قوة للسيطرة والظهور والتعالي والهرولة، التي حولت منهج الإصلاح والتطوير عند البعض إلى منهج لتقديم وجبات سريعة ومريحة فقط بهدف أن يقول: إنه الأفضل حتى ولو كان ذلك على حساب سياسة التعليم في الدولة·
إن الشيء المهم الذي يجب أن نركز عليه الآن هو أن نقرأ هذه الزيارة قراءة جيدة، وألا نجعلها مجرد بهرجة إعلامية وأخبار صحفية وأحاديث كوميدية عن أن فلانا شاهده الوزير يقرأ صحيفة، وفلانة كانت تتناول وجبة الإفطار، ومسؤول تم قفل بابه· المسألة هي مسألة أسباب هذه الظاهرة وخاصة أن معالي الوزير بالإنابة قام بمثل هذه الزيارة في عام 1986 وشاهد الحالة نفسها وظلت المشكلة منذ تلك الفترة ولم يتم اتخاذ أي قرار أو حلول أو دراسة علمية دقيقة للتعرف على أسبابها الحقيقية· ولكنني هنا سأجتهد وأقول بصراحة ووضوح إنه ليس حراما أن يقرأ الموظف صحيفة أو يتناول وجبة الإفطار أو يكون بعيداً عن مكتبه· وهذا الأمر موجود في أكبر المؤسسات العالمية، لكن كل ذلك يحدث في أماكن مخصصة وأوقات محددة وساعات معينة، وهذا ما تفتقد إليه وزارتنا· المشكلة الأساسية في هذا الموضوع هي عدم وجود رؤية صحيحة واستراتيجية علمية واضحة لقياس حالة الموظف وجودة إنتاجيته بجوانبها المختلفة· فهناك مثلاً من يتعرض للظلم الوظيفي ولا يجد من ينصفه، فيؤثر ذلك على إنتاجيته في العمل، وهناك من يشاهد تنفيذ القرارات الفردية في مؤسسته التي تجعل بعض الأفراد يقفزون من فوقه إلى قمة السلم الوظيفي على رغم كفاءته وحقه هو في هذه الترقية،فيهمل العمل والوظيفة·