عادت المسألة الدستورية بقوة في الساحة العربية، إثر اندلاع الثورات العربية الحالية. كانت المسألة الدستورية في نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين تعني مطالب الإصلاح التي تقدمت بها النخب الفكرية والاجتماعية من أجل وضع قواعد مؤسسية حديثة لإدارة الحقل السياسي وإعادة بناء الدولة، في حين تعني راهناً بلورة المسلك القانوني والتنظيمي والإجرائي للتجارب الديمقراطية الوليدة. تتمحور المسألة الدستورية الحالية حول الصدام الفكري الإيديولوجي المحتدم حول مرجعية الدولة ومرتكزات شرعيتها، بما يتجلى بوضوح في التجاذب البارز بين الاتجاهات الإسلامية الخارجة من حالة الحصار والإقصاء والتيارات الليبرالية التحديثية، التي لا تخفي خشيتها من استفادة التشكيلات الإسلامية من القواعد المرجعية للنظام السياسي الجديد. ينعكس هذا الحوار في الساحة التونسية في المنزلة الدستورية للإسلام ديناً وتشريعاً في الدستور الجديد، وفي تركة مدونة الأحوال الشخصية التي أصدرها الرئيس الأسبق "بورقيبة " في السنة الأولى للاستقلال(1956)، وقد عارضتها آنذاك المؤسسة الدينية التقليدية، على الرغم من تأييد علامة تونس ومفتي الفاضل بن عاشور لها. كما نلمس الحوار ذاته في مصر بعد الترخيص لأقدم وأكبر تنظيم إسلامي في البلاد العربية (حركة الإخوان المسلمين)، في سياق ينذر بالفتنة الدينية. الحوار ذاته محتدم في الساحة المغربية، التي تشهد حراكاً كثيفاً إثر إعلان الملك "محمد السادس" انطلاق مسار تشاوري واسع حول الإصلاحات الدستورية التي ستؤثر نوعياً على طبيعة الحكامة السياسية. وإذا كانت أغلب الأحزاب السياسية القائمة لا تعترض صراحة على إقرار الإسلام ديناً للدولة، إلا أن هذا الإجماع الظاهر يخفي تضارباً واسعاً حول الآثار المترتبة عملياً على هذه المرجعية الدستورية التي تعتبرها التنظيمات الإسلامية مظلة للمناورة السياسية والتعبئة الإيديولوجية. والمعروف أن الأنظمة العربية في عمومها استخدمت نفس استراتيجية تدبير الشأن الديني القائمة على التحكم في المؤسسة الدينية وتوظيف المعطى الديني في رهانات الشرعية والطاعة. بيد أن سقوط الأنظمة الاستثنائية، ولّد معادلة سياسية غير مسبوقة، سمتها البارزة تحرير المجال العمومي من مراكز التحكم الضاغطة، وفتح باب النقاش العمومي غير المقيد حول مرتكزات وثوابت ومرجعيات الجمهوريات الجديدة. في هذا الباب، تندرج المسألة الدينية في جوانبها الثلاثة: المنظور القيمي الحضاري، والمحور التشريعي، وهوية الدولة العقدية. وغالباً ما تلتبس هذه القضايا في النقاش العمومي الدائر بسبب الإشكالات المتعلقة بطبيعة منزلة الإسلام كدين وقيم وشرائع في نموذج الدولة الديمقراطية الحديثة. فإذا كانت الإحالة إلى المخزون الحضاري الرمزي للإسلام لا تثير عادة إشكالًا يذكر إلا لدى غلاة العلمانيين، باعتبار أن هذه المرجعية مألوفة في أكثر البلدان الغربية، التي يتمسك بعضها دستورياً(كاليونان مثلًا) بالنص على الديانة القومية للدولة رغم التشبث بالنظام العلماني قانونياً، إلا أن المشكل يبدأ عند طرح الموضوعين التشريعي والسياسي. وكما هو معروف، يرفع الإسلاميون بمختلف شرائحهم شعار شمولية الإسلام باعتباره ديناً ودولة وبنية قانونية مكتملة، مما يفتح باب النقاش النظري حول العلاقة بين مقتضى الانتماء الديني في حده العقدي الشعائري الأدنى والنسق المجتمعي التشريعي الشامل الذي هو محور النشاط الفكري والإيديولوجي للتنظيمات الإسلامية. هذا النقاش نادراً ما يخرج من ضيق الجدل السياسي والإيديولوجي الآني، في الوقت الذي يتعين تحويله إلى حوار نظري جاد ومعمق حول مسالة أساسية هي رسم الحد والعلاقة بين الفقهي والقانوني والقيمي في التقليد الإسلامي، لتجنب إغراء التبسيط الخادع الذي كثيراً ما تعاني منه الأدبيات العربية المتعلقة بالموضوع. في النص الإسلامي وفي المدونة التراثية أحكام فقهية تتعلق بالعبادات والمعاملات، وفيهما رؤية أخلاقية تفصيلية وشاملة، ولكن هل يتعلق الأمر فعلاً بنسق قانوني بالمفهوم الحديث؟ وهل هذه الأحكام والأوامر الخلقية تصلح أن تكون مقوم دولة عقدية ملزمة للمسلمين؟ لابد هنا من تبيان أن الفقه يتعلق بمدار التكليف، وبواجبات التدين وحقوق الله على العباد، حتى ولو تعلقت بعض أحكامه بالشأن الجماعي المشترك، أي بالقيم الضابطة لسلوك الأفراد في ما بينهم (موضوع الأخلاق) وبإجراءات تدبير السلطة والحكم (موضوع السياسة). وإذا كانت هذه الأبعاد الثلاثة مترابطة عضوياً في العصر الوسيط من منظور التداخل العضوي بين قيم العدل والخير والقانون، فإن عصور الحداثة قد حكمت بالانفصام بين هذه العناصر، بحيث انحصر بعد الخير في دائرة الاعتقاد الفردي، وتحول العدل من مفهوم الفضيلة الخلقي إلى معيار الإنصاف في التوزيع (توزيع الخيرات المادية والاجتماعية برعاية مؤسسات شرعية ناجعة)، وأخذ القانون صيغة إجرائية تداولية معيارها القابلية للتعميم الكوني. هل يمكن تحويل الفقه إلى قانون، والحال أنه أوسع من القانون مجالًا (لتعلقه بتشريع العقدي والتعبدي)، كما أنه أوسع منه مدى مؤسسياً لجمعه بين التشريعي والقضائي والاستشاري وامتناعه عن التحكم لما للفقيه من استقلالية مبدئية إزاء المجتمع والدولة؟ وكيف يكون الحال إذا خرجنا من القطعيات، وهي النزر القليل في التراث الفقهي، الذي يقوم في أساسه على الاجتهادات والأقيسة الظنية؟ هل نعتبرها من باب "التوقيع" عن الشارع أم من اختيارات الأمة؟ وهل يمكن بمنطق العصر السعي لإقامة العدالة بمفهومها القيمي المطلق أي المجسد لتصور للخير المشترك في مجتمعات ينخرها التنوع وتسمها التعددية؟ وهل بالإمكان استكشاف مجال "للقانون الطبيعي" في المدونة الكلامية والأصولية باستكناه أدبيات التحسين والتقبيح والتعليل والاستصلاح، وصولًا إلى فكرة استيعاب المنظومة القيمية الإسلامية في الحوار من منطلق تلازم الحكم التكليفي والمصلحة الراجحة وصريح المعقول؟ تلك إشكالات محورية قابلة للطرح والتناول للخروج من حالة الاحتقان الحادة التي تهدد الديمقراطيات الناشئة. فليس الإشكال هو الاحتفاظ بالدين في دائرة المجال العمومي، فمن الوهم والخطر إقصاؤه منها، وإنما الخطر كله هو تحويل الدين الذي هو الرأسمال الرمزي الأكبر في مجتمعاتنا، إلى بؤرة صدام وصراع تنسف بالسلم الأهلي وتعيق التحول الديمقراطي.