لم تعد مصر تتحمل ترف خوض تجارب جديدة قد تصيب أو تخطئ، ولم يبقَ لديها فائض وقت يسمح بالتردد في حسم خياراتها المستقبلية. فأوضاعها، كما هي أوضاع بلادنا العربية بوجه عام، تدفع إلى قلق عميق بشأن المستقبل القريب. وهذا هو ما يشعر به كل من يعرف هذه الأوضاع في تفاصيلها لا في عناوينها العامة وخطوطها العريضة.
ولذلك فالمفترض أن يكون تشكيل حكومة جديدة في مصر مناسبة لحسم الخيار وتحديد المسار، وبالتالي العمل بجدية تامة لتوفير متطلبات نجاحها. فما هو الخيار الذي يفترض أن يكون محسوماً الآن، وأي مسار يترتب عليه في الفترة المقبلة؟
لقد بددت مصر وقتاً طويلاً في محاولة بناء قاعدة صناعية قوية، وكان النمط الصناعي السوفييتي هو النموذج الذي اختارته في بداية تلك المحاولة. وقطعت شوطاً لا بأس به في هذا الاتجاه قبل أن تكتشف مثالبه. ولكن عندما اكتشفت في منتصف سبعينيات القرن الماضي أنها أخطأت عندما اختارت هذا النمط، ترددت كثيراً في التخلي عنه جذرياً. فالانفتاح الاقتصادي الذي أخذت به في ذلك الوقت، استهدف خلق فرصة لنمو صناعي مواز لهذا النمط وليس بديلاً عنه. غير أن القطاع الخاص المحلي الذي أنهكته سياسة التأميم، كان أضعف من أن يتصدى لبناء قاعدة صناعية حديثة قادرة على المنافسة في السوق العالمية. كما افتقد هذا القطاع القيم الرأسمالية الأصيلة التي أقامت قلاع الصناعة العظيمة في عالمنا.
وبالرغم من أن الضعف الهيكلي للقطاع الخاص المصري كان واضحاً تماماً، ظل صانع القرار متردداً في حسم موقفه تجاه الاندماج في السوق الرأسمالي العالمي.
تمنى المصريون زيادة الاستثمارات الأجنبية في بلادهم لتعويض ضعف المستثمرين المحليين، ولكنهم لم يحسموا موقفهم، وبالتالي خيارهم، بشأن عصر العولمة. أدرك صانع القرار أنه لا بديل عن دخول هذا العصر، ولكنه ظل مقتنعاً بأنه يتعامل مع شرٍ لابد منه، وبأن عليه التزام أقصى قدر من الحذر، وفي بعض الأحيان يكون الحذر عائقاً أمام الحركة. وهذا هو ما حدث في علاقة مصر مع العالم خلال العقدين الأخيرين، خطوة إلى الأمام باتجاه الاندماج في السوق العالمي تعقبها خطوة إلى الوراء.
وأدى ذلك إلى تراجع مستمر في قدراتها الصناعية، بمقاييس الثورة الصناعية الثانية، حتى إذا قورنت بإمكانات دول لم تكن على الخريطة أصلاً عندما بدأت هي تطورها الصناعي. وآخر دليل على ذلك هو عجز الصناعيين المصريين عن منافسة أقرانهم حديثي العهد بالصناعة في دول شرق أفريقيا. فقد انضمت مصر إلى اتفاقية التجارة الحرة لدول مجموعة متطلعة إلى تحقيق مكاسب كبيرة استناداً على اعتقاد تبين زيفه، وهو أن مستوى التطور الصناعي لديها أعلى منه في هذه الدول. وبدلاً من أن تغزو المنتجات المصرية أسواق أوغندا وكينيا وغيرهما من دول هذه المجموعة، حدث العكس. فقد وصل العجز في الميزان التجاري المصري مع هذه الدول إلى نحو 23.5 مليون دولار عام 2003 (واردات مصر 502 مليون وصادراتها 207 ملايين) وفقاً لبيانات الجهاز المركزي المصري للتعبئة العامة والإحصاء.
ولم يحدث هذا مصادفة، وإنما لأن مستوى تطور الصناعة العامة والخاصة في مصر لا يليق في الوقت الذي دخل العالم عصر الثورة الصناعية الثالثة أو ثورة الاتصالات والمعلومات. ولذلك فعندما حدث التغيير الحكومي في الأسبوع الماضي، اعتقد المتفائلون في البداية أن صانعي القرار حسموا الخيار وحددوا المسار. واستند هذا الاعتقاد إلى افتراض أن يكون اختيار وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في الحكومة السابقة رئيساً للحكومة الجديدة تعبيراً عن خيار جديد هو السعي إلى الانتقال إلى عصر الاقتصاد المعرفي عبر التركيز على قطاع الاتصالات والمعلومات.
فليس أمام الدول التي عجزت عن إنجاز مهمات الثورة الصناعية الثانية إلا أن تخرج من العالم المعاصر أو تبقى متخلفة فقيرة ضعيفة أو أن تدخل في قلب هذا العالم عبر تعبئة إمكاناتها وطاقاتها كافة لتلحق بركب ثورة الاتصالات والمعلومات. وهذا هو الخيار الذي حسمته الهند في مطلع العقد الماضي وحددت بناء عليه المسار الذي جعلها الآن نموذجاً يحتذى للانتقال إلى عصر الاقتصاد المعرفي،وصناعات الاتصالات والمعلومات التي تعتمد على التكنولوجيا الأكثر تقدماً والإبداع والابتكار.
وها هي الشركات الكبرى في العالم تتسابق لإيجاد شركاء لها في الهند ونقل نشاطاتها في خدمات وتكنولوجيا الاتصالات والمعلومات إلى هذا البلد، الذي صار نموذجاً لبلاد أخرى يمكن أن تكون مصر من بينها. فهي تمتلك إمكانات معقولة لبدء الانطلاقة الأولى في هذا الاتجاه، فقد بلغ عدد الشركات العاملة في مجال تكنولوجيا المعلومات نحو ألف ومئة شركة حتى أول مايو الماضي، فيما وصل عدد الشركات العاملة في مجال الاتصالات إلى 40 شركة.
وكان "بيل جيتس" رئيس مجموعة "مايكروسوفت" العالمية، قد أدلى بشهادة ذات مغزى في هذا المجال خلال زيارته القصيرة إلى مصر في يناير الماضي. فقد قال إن مصر يمكن أن تصبح قاعدة لصناعة المعلومات والاتصالات في الشرق ا