هناك إجماع بين المحللين السياسيين على أننا نعيش في الوقت الراهن ربيع الثورات العربية! كانت ثورة تونس هي الرائدة، لأن شباب الثوار التونسيين الذين خرجوا بعشرات الآلاف احتجاجاً على إهدار الكرامة الإنسانية لأحدهم، نجحوا لأول مرة في التاريخ العربي المعاصر بإسقاط نظام استبداديّ راسخ، استمر بالقهر السياسي العنيف لجموع الشعب عشرات السنوات. وليس ذلك فقط ولكنهم نجحوا في دفع الرئيس المخلوع وإجباره على الفرار، بعد أن فشل فشلاً ذريعاً في قراءة تناقضات الواقع التونسي، وزعم أنه فهم مطالب جموع الشعب ولكن بعد فوات الأوان! وما لبثت ثورة 25 يناير المصرية أن هبَّت على فضاء العالم العربي المزدحم بالأنظمة الشمولية والسلطوية المستبدة، فأشرقت الدنيا بعد ظلام كثيف خيم على الشعوب العربية. وضربت هذه الثورة الفريدة في التاريخ العالمي نموذجاً فريداً للثورة الشعبية السلمية، التي خرجت مطالبة بالحرية السياسية والعدالة الاجتماعية، ودفاعاً عن الكرامة الإنسانية في المقام الأول. وقد تساءل عدد من المراقبين عن تأثير ثورة يناير المصرية على الأنظمة السلطوية في العالم العربي. وما لبثت الانتفاضة الجماهيرية في اليمن أن اشتعلت، وتبعتها الثورة الشعبية في ليبيا، وامتد اللهيب إلى عقر النظام السوري، الذي قابل المظاهرات السلمية بإطلاق الرصاص الحي، مما تسبب في سقوط عشرات الشهداء ومئات الجرحى. وقد امتد تأثير الثورة المصرية إلى جموع الشعب الفلسطيني، فخرجت المظاهرات الحاشدة تطالب السلطة الفلسطينية من ناحية وحركة "حماس" من ناحية أخرى، بإنهاء الانشقاق الذي أضر كثيراً بقضية الشعب الفلسطيني العادلة، وسمح لإسرائيل بأن تتلاعب بالمفاوضات لكي تتحول إلى لعبة عقيمة، أدت بالفعل إلى إحباط الشعب الفلسطيني وإدراكه أن المفاوضات مع السلطة الإسرائيلية طريق غير مُجدٍ. كما أن هذا الانشقاق سمح للولايات المتحدة بأن تتراخى في تنفيذ وعد أوباما بإنشاء الدولة الفلسطينية. وفجأة أعلن أن الانشقاق الفلسطيني قد انتهى وأن المصالحة بين السلطة الفلسطينية و"حماس" قد اتفق عليها من خلال جهد مصري دؤوب، لم يتوقف عن محاولة إتمام المصالحة. ولكن هذا الجهد لأسباب متعددة لم يؤت ثمراته في عصر مبارك، ولكنه تحقق في بداية عصر ثورة يناير المصرية، التي كشفت النقاب عن وجهها العروبي، وخصوصاً بعد أن أعلن أن معبر رفح سيفتح بلا قيود. ومن حقنا أن نتفاءل بهذه الأخبار لأن المصالحة الفلسطينية كانت خطوة ضرورية للجهد الدولي الذي تبذله الدول العربية لانتزاع اعتراف من الأمم المتحدة بالدولة الفلسطينية المستقلة. ولو أردنا أن نسترجع المسيرة الكفاحية الطويلة للشعب الفلسطيني لأدركنا أنها قامت على ثلاثية شهيرة، هي المواجهة والتسوية والمتابعة. وقد انحازت لكل مفردة من هذه الثلاثية تيارات فلسطينية وعربية متعددة، ولكل تيار له منطقه وأسبابه. وقد يظن زعماء تيار المواجهة ممن توالت تصريحاتهم العنترية للحرب وللجهاد بدون أدنى دراسة جادة للموقف، أنه ليس هناك مدخل سوى شن الحرب على إسرائيل، غير أن هذا النمط من التفكير يدل على سطحية شديدة في فهم الموقف الراهن، وعجز عن تحليل اللحظة التاريخية الحاسمة التي يمر بها الصراع العربي- الإسرائيلي. وبداية نقول إنه لابد من اتباع استراتيجية شاملة، تنطوي على المواجهة والتسوية السلمية والمقاومة في الوقت نفسه. ونقصد بالمواجهة على وجه التحديد، ضرورة تبني استراتيجية حضارية عربية تقوم على النفَس الطويل، وتأخذ بمختلف أشكال القوة التي ينبغي أن تتوافر لكل دولة عربية على حدة، ولكل الدول العربية في الوقت نفسه. ويمكن القول إن مصادر قوة الدول لا تتركز فقط كما كان الحال في الماضي على القوة العسكرية وحدها، بل إن عوامل القوة الاقتصادية بالمعنى الحديث للكلمة، الذي يأخذ في الاعتبار تملك ناصية التكنولوجيا الحديثة العسكرية والمدنية، والقوة الاجتماعية التي تعني في المقام الأول توافر نظام سياسي لا يقوم على قهر الجماهير، وإنما ينهض على أساس الديمقراطية والتعددية واحترام حقوق الإنسان، بالإضافة إلى تنفيذ سياسة ثقافية شاملة تقضي على الأمية السائدة في الوطن العربي، وترفع من معدلات الوعي الاجتماعي، كل هذه المصادر أساسية للقوة. وإذا أضفنا إلى ذلك معيار القوة الأساسي الذي سيميز في العقود القادمة بين المجتمعات الصاعدة والمجتمعات الهابطة في سلم التقدم، وهو معيار المعرفة، ونعني القدرة على استيعاب المعرفة المعاصرة بكل أنماطها العلمية والتكنولوجية والفكرية والاقتصادية، والإسهام الفعال في إنتاجها على المستوى العالمي، لأدركنا أن المواجهة تمتد على جبهة عريضة حقاً، تتجاوز بكثير اعتبارات المواجهة العسكرية في ميدان القتال. ومعنى ذلك أن الأخذ بأسباب القوة جميعاً أصبح فرض عين على الدول العربية، ومن هنا فإن مؤتمرات القمة العربية ينبغي عليها ألا تقنع بردود الأفعال إزاء الأحداث الدامية مهما كانت سخونتها، وإثارتها للمشاعر، وإنما ينبغي أن ترقى لمستوى التخطيط الاستراتيجي لعوامل القوة العربية من خلال تبني استراتيجيات قومية للبحث العلمي والتطوير الاقتصادي والتحديث الاجتماعي، والتطوير الثقافي، وفقاً لرؤى بصيرة تنهل من أفضل القيم التراثية، وتتفاعل في الوقت نفسه تفاعلاً خلاقاً مع متغيرات عصر العولمة، والثورة العلمية والتكنولوجية وسيادة وسائل الاتصال والمعلومات الحديثة التي أحدثت ثورة في الوعي الإنساني على مستوى العالم. ويثور هنا سؤال أساسي وهو، هل يعني ذلك أن المواجهة بالمعنى المحدد الذي بلورناه، تغني عن السعي إلى التسوية السلمية للصراع العربي- الإسرائيلي في الضفة الغربية وغزة والجولان ولبنان؟ لا نعتقد ذلك، بل إننا -أبعد من هذا- نرى ضرورة اعتبار السلام خياراً استراتيجيّاً، بشروط أن يتحقق السلام العادل الذي يحقق المطالب المشروعة للشعب الفلسطيني، ولا يكون مجرد تسوية مؤقتة تكون أشبه بالهدنة بين حربين، ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا بناء على جهود عربية دائبة تقودها جامعة الدول العربية باسم مؤتمر القمة العربية في المحيط الدولي، وفي إطار مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة أساساً، لتأكيد القرارات الدولية التي نصت على شرعية الحقوق العربية، وضرورة انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة، وتوقفها عن ممارسة الجرائم المضادة للإنسانية في تعاملها مع المواطنين المدنيين. وليس ذلك فقط، بل لابد من بذل الجهود مع التكتلات الدولية وفي مقدمتها الاتحاد الأوروبي، لتأكيد الحق الفلسطيني، وانتزاع الاعتراف بشرعية الحقوق العربية، ومن الأهمية بمكان في هذا الصدد أن ننفذ إلى دوائر المجتمع المدني العالمي، الذي أصبحت مؤسساته بالغة الأهمية في تشكيل الوعي الكوني في أنحاء العالم. ونحن أخيراً لا نرى أي تناقض بين اعتبارات المواجهة والتسوية، وبين الإعداد الجاد للمقاومة. ذلك أنه -كما تثبت الخبرة التاريخية المقارنة- يختلط في كفاح الشعوب من أجل التحرر الإعداد الحضاري للشعب، مع الكفاح السياسي والمسلح، مع التفاوض من أجل الوصول إلى حل للصراع. وهكذا كانت تجربة فيتنام الرائدة في القرن العشرين، التي لم تنفصل فيها عمليات إعداد الشعب للكفاح المسلح، عن التفاوض مع الدولة الأميركية، التي هزمت هزيمة ساحقة، وأجبرت بالتفاوض على الانسحاب من أراضي فيتنام. وحين نتحدث عن المقاومة فنحن نعني في المقام الأول توفير عناصر الاستقلال الاقتصادي للشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وغزة الذي ما زال معتمداً على الاقتصاد الإسرائيلي، سواء في حجم القوى العاملة الفلسطينية التي تعمل في إسرائيل، أو فيما يتعلق بالتفاعلات الفلسطينية- الإسرائيلية الاقتصادية. وما تنطوي عليه من اعتماد ضخم على مخرجات الاقتصاد الإسرائيلي. وتدعيم القدرة الاقتصادية الفلسطينية أحد أهم وجوه المقاومة، ويضاف إلى ذلك ضرورة توحيد صفوف الشعب الفلسطيني، وتجسير الفجوة بين السلطة الفلسطينية والجماهير، وتطبيق وسائل العصيان المدني. والأخذ بكل أسباب القوة هو المدخل الأساسي للمقاومة، التي يمكن- لو أصرت إسرائيل على شن حرب إبادة ضد الشعب الفلسطيني- أن تتحول إلى مقاومة مسلحة، وهذا يضع على عاتق الدول العربية جميعاً، وعلى الشعب العربي من المحيط إلى الخليج أن يدعمها، حتى يتحقق النصر النهائي على قوى البغي والعدوان الإسرائيلية والصهيونية.