ألم تهتز معادلة الجيش والشعب والمقاومة وعلى أرض الجنوب بالتحديد عندما شاهدنا وشاهد العالم كله المواجهات بين الجيش اللبناني والناس في سياق معالجة مشكلة مخالفات البناء. فهل لنا مصلحة وطنية في ذلك؟ في لبنان مخالفات بناء واعتداءات على الأملاك العامة، وصلت إلى حد تهديد سلامة الطيران في محيط مطار رفيق الحريري الدولي. والنتيجة أن سجالات كثيرة قامت، واتهامات كثيرة تم تبادلها بين قوى لم تنفِ شيئاً من المعلومات، لكنها ركزّت على أمرين: من بدأ قبل الآخر. ومن خالف أكثر؟ ومن المسؤول؟ القوى الأمنية غير القادرة على التنفيذ دون غطاء القوى السياسية المغطية للمخالفين والمسيطرة في مناطق المخالفات، أم هذه القوى نفسها التي أباحت الارتكابات؟ الحقيقة الثابتة: مخالفات استباحت كل شيء على الأرض. وهي قائمة ومستمرة على قاعدة الأمر الواقع. وفكرة الدولة ومؤسسات الدولة تكاد تسقط وتنهار نهائياً، بعد المشهد الذي رأيناه على أرض الجنوب وفي مناطق ارتكاب المخالفات وهي كثيرة ومتنوعة سياسياً وطائفياً. وأخطر ما في النقاشات أن تأخذ الأمور طابعاً مذهبياً وخصوصاً بين السنّة والشيعة في لبنان وللأسف. علماً أن مخالفات من أنواع مختلفة مرتكبة في مناطق عديدة. لكن الاحتقان المذهبي المشار إليه هو المسيطر والمنذر بعواقب خطيرة. المخالفة مخالفة. والاعتداء على المال العام والملك العام اعتداء من أي مواطن أو فريق أو بيئة أتى. والإساءة إلى الدولة وتجاوز القانون يؤذي الجميع. ولا يعتقد أحد أن ثمة شجاعة في ارتكاب مثل هذه الأعمال. فالكل قادر على الارتكاب إذا أراد خصوصاً إذا كان العنوان والخلفية هو الفقر والحاجة الاجتماعية والاقتصادية لدى الناس. لقد أشرت سابقاً إلى هموم اللبنانيين لكن اهتماماتهم ليست واحدة وللأسف. فالفقر موجود في كل المناطق والبيئات والطوائف ولدى كل الجهات. والأزمة الاجتماعية واحدة. وكلفة النقل واحدة وسعر البنزين واحد في كل لبنان – والسائقون صرخوا صرخة واحدة في الأيام الأخيرة – ومشاكل الكهرباء والمياه والفساد وغلاء الأقساط المدرسية والجامعية، والضمان الاجتماعي، وقضايا وحاجات المزارعين والكادحين واحدة، ولذلك بإمكان أي شخص إذا سلمنا بمنطق الأمر الواقع أن يتصرف تحت عنوان الفقر والحاجة ويخالف كل شيء. ساعتئذٍ تنهار كل القيم والقوانين والأنظمة وتنهار الدولة. من يستفيد من ذلك؟ وهل يمكن للوضع أن يستقيم إذا لم يكن ثمة مرجعية واحدة هي مرجعية الدولة التي ترعى الجميع؟ وثبت أن كل محاولات الحلول مكانها كانت فاشلة، ولم يتمكن فريق مهما امتلك من إمكانات مالية وعسكرية وأمنية ومعنوية وهيبة أن يفرض نظامه في أي منطقة من المناطق، والدليل هو تذمر قوى سياسية أساسية في البلاد من مشاكل تعيشها مناطق نفوذها، ولا تقوى على حلها منفردة. ولطالما سمعنا وشاهدنا وعشنا محطات طالبت فيها هذه الدولة ونسقت مع مؤسساتها للقيام بخطوات معينة للجم سرقات ومكافحة آفة مخدرات وتجارة بالممنوعات وضبط أمن... ماذا يعني ذلك؟ يعني: أن الردّ على خطأ لا يكون بخطأ أكبر، كما أن الردّ على الارتكاب والمخالفة لا يكون بارتكاب أكبر ومخالفات أكبر وأكثر. هذا ويعني: أن القوى السياسية الفاعلة في المناطق والطوائف – وللأسف نقول ذلك – في ظل الاحتقان والانقسام الحادّين الظاهرين والمعروفين في البلد لا تستطيع أن تتحدث عن إمساكها بالقرار في أحزابها أو طوائفها أو تمثيلها بقبضة حديدية وتظهر في أكثر من مناسبة ثقة الناس فيها، ثم تقدم نفسها عاجزة عن التحرك لمواجهة ارتكابات جماعية خطيرة على الأرض تنفذها "جماعاتها " وتحمّل في هذه اللحظة المسؤولية للدولة ومؤسساتها الأمنية وغير الأمنية. إن فكرة الدولة وتعزيز حضورها وتفعيل دور مؤسساتها ليست عملاً موسمياً ولا شعاراً للاستهلاك فقط. إنها عملية بناء تراكمي دائم مستمر. كما أن معالجة الأزمة الاجتماعية الاقتصادية تبدأ بوقف الانهيار والتراجع وارتكاب الخطايا في الإدارة ورفع الغطاء عن الفاسدين والمرتكبين، وبدراسة واقعية لأسبابها على أساس تشخيص الحالة صح لتشخيص الحل الصح.. ولا يمكن لسياسة بناء المخالفات ومراكمتها وتعزيز دور بناّئيها أن تعالج مشكلة مخالفات البناء، أو غيرها من المخالفات. ففي مثل هذه الحالة، تصبح المخالفة هي القاعدة والأساس ولا يتوفر استقرار اقتصادي واجتماعي وأمني في ظل هذا النهج. بل ويساء من خلاله إلى الإنجازات الوطنية التي تحققت ولا سيما على صعيد المواجهة مع العدو الإسرائيلي، الذي يتطلع بارتياح كبير إلى ما يجري في لبنان اليوم من انقسامات وخلافات تأخذ الطابع المذهبي الحاد حتى في مواجهة مشكلة مخالفات البناء؟ ألم تهتز معادلة الجيش والشعب والمقاومة وعلى أرض الجنوب بالتحديد عندما شاهدنا وشاهد العالم كله المواجهات بين الجيش والناس في صور في سياق معالجة مشكلة مخالفات البناء. فهل لنا مصلحة وطنية في ذلك؟ يدور نقاش اليوم حول كل قضايانا يتمحور حول عنوان "أزمة نظام أم أزمة حكم أم أزمة حكومة؟..." قال الشهيد الكبير كمال جنبلاط يوماً: "يتحدثون عن أزمة نظام. أخشى أن نكون أصبحنا أمام أزمة كيان. وأن نصبح أمام أزمة مصير"... وفي لحظات قلق مما يجري في البلاد قال أيضاً: "يبدو أننا في غاب دون شريعة"، وعادة يقول الناس نحن أمام شريعة الغاب. وهو ذهب أبعد من ذلك، فهل نعيش هذه اللحظات اليوم؟