بعض السياسيين الأميركيين أبدوا هوساً بما إذا كان الرئيس الأميركي باراك أوباما قد ولد بالفعل في الولايات المتحدة؛ غير أن السؤال المهم حقاً في نظرنا ليس "أين ولد؟"، وإنما "من هو؟". فخلال حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2008، سحر أوباما العديد من الأميركيين بخطاباته البليغة التي أوصلته إلى البيت الأبيض وسط تسونامي من توقعات الجمهور. غير أنه منذ ذلك الوقت، أثبت أوباما - حسب العديد من الآراء، أنه رئيس التحفظ والارتداد حول جملة من المواضيع الداخلية والخارجية – مقاربة تتحدى محاولات تحديد رؤيته وتتركنا أمام صورة فضفاضة غير واضحة المعالم لزعامته. فهل هو سياسي مفرط في الحذر، يمارس تردداً محيراً تجنباً للإضرار بهالته وسمعته؟ أم هو غير قادر على عملية صنع القرار الحازمة التي كان الرئيس رونالد ريجان أو حتى بيل كلينتون سيبين عنها في مثل هذه الأوقات المضطربة؟ فعلى الصعيد الدولي، أبدى أوباما تردداً واضحاً بشأن ما إن كان ينبغي خلع الرئيس المصري السابق حسني مبارك من الحكم. وبخصوص موضوع ليبيا، ماطل حول القيام بتحرك ما في وقت كان معمر القذافي يشن فيه حملة وحشية ضد الثوار المطالبين بالديمقراطية؛ ورفض لعب الدور الرئيسي الذي كان يتعين على الولايات المتحدة أن تضطلع به في تدخل إنساني في ليبيا. وفقط بعد ضغط معتبر من المجتمع الدولي قام أوباما أخيراً بالانضمام إلى قرار للأمم المتحدة تتزعمه فرنسا وبريطانيا لحماية الثوار الليبيين، مع مشاركة أميركية محدودة سرعان ما تم تعليقها إلى حد كبير. وفي خطاب حلل جيداً، كشف أوباما عن تعريف محير لعقيدة سياسته الخارجية، التي تقول على ما يبدو بأن الولايات المتحدة قد تتدخل وقد لا تتدخل في حالات الاعتداء، اعتماداً على مدى شدة الظروف وصعوبتها. أما على الصعيد الداخلي، فلم يصدر عن أوباما بخصوص حل معضلة الدين الشائكة سوى الكلام والوعود، ولم يقدم أي تفاصيل أو عناصر محددة. بل إنه بدا منفصلاً وبعيداً عن توصيات خفض الميزانية التي صدرت عن اللجنة نفسها التي قام بتشكيلها من أجل بحث مشكلة عجز الميزانية. ويمكن القول إن أوباما جلس على خط التماس خلال الآونة الأخيرة إلى أن كشف "الجمهوريون" عن المخطط الجريء لخفض العجز الذي اقترحه رئيس لجنة الميزانية بمجلس النواب، النائب"الجمهوري" بول رايان. وبعد ذلك، قام أوباما بمهاجمة هذا المخطط بقوة في خطاب قدم فيه الخطوط العريضة لتصوره لهذا الموضوع، وهو ما أثار بدوره رداً حزبياً متعصباً من "رايان". والأكيد أن هذا ليس مؤشراً يبعث على التفاؤل لتعاون بين "الجمهوريين" و"الديمقراطيين" حول موضوع يكتسي أهمية وطنية كبيرة لا تخفى على أحد. وضمن مقترحه حول سبل خفض العجز، أشار أوباما إلى إمكانية خفض الضرائب بالنسبة للبعض ورفعها بالنسبة للأثرياء. وهو ما من شأنه أن يمثل برنامجاً سياسياً يحظى بشعبية بين الأميركيين يمكن أن يتنافس به في حملة انتخابات 2012 الرئاسية. وبالمقابل، يتعلق مخطط "رايان" بحبة أو قرص سم سياسي في اقتراح إدخال تغييرات جوهرية على مشكلة "ميديكير"، تغييرات قد لا تخدم مصلحة العديد من الأميركيين المتقدمين في السن. ومما لا شك فيه أنه إذا كان يراد للولايات المتحدة أن تقلص بشكل كبير عجز ميزانيتها الوطنية الآخذ في الارتفاع، فإنه سيتعين كبح التكاليف الحالية لبرنامج "ميديكير" والضمان الاجتماعي، التي تشكل نسبة ضخمة من الميزانية الفدرالية. والحال أنه فيما عدا إشارات قصيرة، فإن أوباما عموماً يتملص من موضوع إصلاح الاستحقاق المشحون سياسياً، في وقت ينحو فيه باللائمة على "الجمهوريين"، لأنهم "يطلبون التضحيات من الأشخاص الذين هم أكثر فئة لا تستطيع تقديمها". وقد تكون تلك سياسة ذكية في انتخابات 2012، ولكنها بكل تأكيد ليست زعامة البيت الأبيض المطلوبة لحل مشكلة الاستحقاق. إن الطريقة الوحيدة الممكنة للقيام بإدخال تغييرات صعبة وقاسية على برنامج "ميديكير" والضمان الاجتماعي هي - في رأينا - عبر اتفاق وتعاون بين الحزبين الرئيسيين في الكونجرس؛ حيث ينبغي على كل من "الجمهوريين" و"الديمقراطيين" أن يتقاسموا الانتقادات السياسية، ليس من الناخبين فحسب، وإنما أيضا من داخل الحزبين - حركة الشاي في صفوف "الجمهوريين" و"اليسار الليبرالي" بين "الديمقراطيين". غير أن آفاق توفير مثل هذا التعاون لغطاء سياسي تبدو للأسف قاتمة في الوقت الراهن. وقد قام أوباما بتعيين نائب الرئيس جو بايدن ليكون مسؤولاً عن هذا الملف في المعركة الوشيكة التي سيشهدها الكونجرس قريباً حول مخططات تقليص العجز. والواقع أن "بايدن" رجل يتمتع بطاقة كبيرة ويتحلى بفصاحة مشهود له بها. ولكن مهمته ستكون صعبة، ولن يستطيع الدفع باتفاق بين الفريقين إلا إلى حد معين. وفي نهاية المطاف، سيتعين على الرئيس أن يُظهر انخراطاً وزعامة كانا حتى الآن غائبين. جون هيوز مساعد وزير الخارجية في إدارة ريجان ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"