ليس من المبالغة القول إنّ إسرائيل اليوم، مدعوّة أكثر من أيّ وقت سابق منذ أوائل الثمانينيات، لأن تتغيّر. سبب ذلك بسيط، هو أنّ النظام الإقليميّ العريض في المنطقة يتغيّر، وهي لا تستطيع التصرّف كما لو أنّ النظام السابق لا يزال قائماً، وأنّ شيئاً جديداً لم يحدث. هذا لا يعني، كما يقول بعض الراديكاليّين والمتطرّفين، أنّنا بصدد العودة إلى مرحلة ما قبل معاهدة كامب ديفيد 1979. فهذا غير ممكن لأسباب كثيرة، منها الاقتصاديّ ومنها العسكريّ، وما يتّصل بشؤون الحرب والسلام. إلا أنّ مضي إسرائيل في سياسة العجرفة والتوسع الاستيطاني وعدم الاكتراث بما يجري حولها... هذا كلّه يهدّد بإعادة الاعتبار للأجندة الراديكالية التي ستكون وبالاً على الجميع، وعلى إسرائيل بطبيعة الحال. لقد شهدت سنوات حكم مبارك طريقة في التعاطي مع الموضوع الفلسطيني سهّلها سلوك محور "الممانعة"، لاسيّما بعد انفصال قطاع غزّة عن الضفّة الغربيّة واستقلال "حماس" به وبإدارته. والطريقة هذه أملاها التراجع النوعيّ في الدور الإقليميّ لمصر مقابل اندفاعة أطراف "الممانعة" في سوريا. لكنّ التغيّرات التي استجدّت، خصوصاً بعد ثورة 25 يناير المصرية، بدأت تعدّل في هذا المسار، على ما أظهرت الرعاية المصرية مؤخراً لاتفاق المصالحة الفلسطينيّة. ولئن استشعر بعض إسرائيليي اليسار، من أكاديميين ورسميين ورجال أمن سابقين، ضرورة التفاعل الإيجابي مع تلك التطورات التي تهب في المنطقة، واضعين وثيقة لابد أن تشهد لصالحها الأيام المقبلة، بقي نتنياهو حريصاً على نهج السنوات السابقة. وأسوأ ما في هذا النهج إغلاق الباب أمام التسوية السياسية مع السلطة الفلسطينيّة والاستمرار في بناء المستوطنات وتوسيعها. إلى ذلك كله استفادت الحكومة الإسرائيلية المتطرفة من عناصر ملائمة لها في الجوار الإقليمي لكي تبتز إدارة أوباما وتحرجها غير مرة. فالأميركيون الغارقون في أفغانستان والعراق، ومؤخراً ليبيا، وفي أزمة اقتصادية غير مسبوقة منذ 1929، والمدركون أن تركيا تبتعد عنهم رغم بقائها في "الناتو"، وأنّ قوى "الاعتدال العربي" غير مهيّأة لخوض حروب كبرى، هؤلاء الأميركيون اكتشفوا مجدداً أنّ حاجتهم إلى إسرائيل هي فوق كل شيء آخر. وبدوره نجح نتنياهو ووزير خارجيّته في توظيف هذه الحاجة إلى المدى الأقصى. وكم كان محرجاً لأوباما وإدارته، لاسيّما بعد الخطاب الشهير الذي ألقاه في القاهرة، أن يسحب كلّ ضغط على إسرائيل وعلى سياستها الاستيطانية، موجهاً ضغوطه إلى عبّاس. فهذا الأخير، فضلاً عن سكوته المطلوب حيال الاستيطان، مطالَب أيضاً بأن لا يخطو أية خطوة سياسية باتجاه شرعنة الدولة الفلسطينيّة الموعودة... فإذا فعل لاحقته العقوبات الاقتصادية وسواها! وغني عن القول إن في هذا كله ظلماً أكيداً. وقد بدا واضحاً في التعليقات الإسرائيلية على الثورة المصرية خصوصاً، وعلى المدّ الثوري العربي عموماً، أن الشعور في تل أبيب حيال تلك الثورات إنما يتراوح بين الخوف والقلق والعداء. هذا علماً بأن الثورة المصرية كانت شديدة التوكيد على الهموم الوطنية المحلية لبلدها، فلم يلجأ المتظاهرون لا إلى إحراق الأعلام ولا إلى محاصرة السفارة الإسرائيلية، هذا حتى لا نقول إنّهم لم يلغوا كامب ديفيد ولا أوحوا بشيء من هذا القبيل. وما يُستنتج من هذا قصر نظر إسرائيليّ مدهش يحمل أصحابه على عدم التكيف مع الوقائع والتحولات الجديدة. وخلف قصر النظر هذا تقيم نظرة السيد إلى العبد، حيث ينبغي على العبد أن يتغيّر لا بموجب ما تمليه مصالحه هو، بل بموجب رغبة السيّد ورؤيته لمصالحه! وإسرائيل لا يعميها تطرف إدارتها الحالية عن رؤية مصر الجديدة فحسب، ولا عن رؤية الحقّ الفلسطينيّ بطبيعة الحال، إذ هي أيضاً لا ترى التحوّلات الإقليميّة الأخرى التي تهبّ في الجوار والتي يمكن توظيفها لإقامة سلام مستقرّ. ذاك أنّ الدور السوري معطّل اليوم بفعل الانتفاضة، ومعلوم أنّ التأثير على حركة "حماس" كان دائماً كبيراً وسلبيّاً. لقد أحدثت الثورات والانتفاضات تحوّلاً نوعياً في أجندة السياسة والخطاب السياسيّ العربيين بأن وجّهت التركيز إلى دواخل البلدان، بدلاً من الصراع مع الدولة العبرية الذي استخدمه الحكام العرب مراراً لحرف أنظار شعوبهم عن همومها الفعليّة. وهذا ما يُفترض به، أقلّه من حيث المبدأ، أن يشكّل فرصة للجميع، وطبعاً لمسألتي السلام والديموقراطيّة في عموم الشرق الأوسط. والراهن أنّ الإسرائيليّين الذين يمسكون اليوم بزمام الحكم في تلّ أبيب غير مهيّأين لأن يتفهّموا الطبيعة العميقة لهذه التحوّلات. بيد أنّ ذلك يفتح الطريق أمام إسرائيليّين آخرين يظهرون إلى الواجهة ويجدون في العواصم الغربيّة، بما فيها واشنطن ولو بعد حين، التعاطف والتأييد. هنا، ربّما، تكمن أهميّة الوثيقة التي أشير إليها أعلاه، والتي قد تتحوّل إلى برنامج حكم بديل يرفعه خصوم نتنياهو المدركون أنّ على دولتهم أيضاً أن تتغيّر... لمصلحتها هي قبل أن يكون ذلك لمصلحة الفلسطينيّين وباقي العرب.