أشعر بحالة من الحزن عندما أجد دولة صغيرة لا يتعدى عدد سكانها أربعة ملايين، تنتقل في غضون سنوات قليلة من بلد زراعي محدود الموارد إلى بلد صناعي ذي إنجازات تقنية عالية الجودة، وإنتاج له وزنه في سوق المنافسة العالمية، ولديه كم هائل من الكتب المترجمة وبراءات الاختراع والأبحاث العلمية المنشورة يفوق 20 مرة نظيره في أمة تتكون من 22 دولة، عدد سكانها أكثر من 300 مليون، تملك الثروة الطائلة والموارد الطبيعية والبشرية الهائلة والموقع الجغرافي الاستراتيجي المهم، ولديها من المقومات الثقافية والحضارية والعقدية والتاريخية واللغوية الكثير مما يحفز على التقدم والارتقاء... لكنها رغم ذلك ما زالت متأخرة وفي حالة تخلف وركود؛ تعتمد على ما ينتجه الآخرون ويوردونه إليها. هذا الأمر في الحقيقة، حيّر الكثير من الدارسين والمفكرين والعلماء المهمومين بشأن هذه الأمة، إلى درجة أنه ساد انطباع راسخ لدى الكثير منهم بوجود إشكالية في الذهنية العربية التي تتعامل مع متطلبات النهضة وشروطها، وأيضاً في معرفة الطريق الأمثل نحو التقدم. لكن الإشكالية الذهنية ليست وحدها السبب، بل هناك أسباب أخرى تعيق العقل العربي في تجاوبها مع المسألة النهضوية، أهمها: الفقر، وتفشي الأمية، وغياب الحريات الديمقراطية... ويبدو تأثير هذه العوائق المتراكمة واضحاً اليوم في المشهد العربي بما يعرفه من احتقانات وانفجارات تتطاير شظاياها في كل مكان تقريباً. وهناك شعور عام في العالم العربي بأن هذه الأمة تستحق أن تكون في وضع أفضل مما هي عليه الآن، لأنها أمة تملك إمكانيات ضخمة وقيماً محفزة على البناء والارتقاء، وكل ما تحتاجه هو الإرادة والعزم والتصميم والتشخيص السليم لحالتها، وإعادة تقييم أولويات النهضة، وتوظيف الأدمغة العربية، وتصحيح هرم الإصلاح المقلوب. فللنهضة الحضارية شروطها ومتطلباتها، كما أن الارتقاء يحتاج إلى ذهنية متيقظة ومتجذرة في خصوصية المجتمع، ومتبصرة بتحديات النهوض، ومستعدة للانفتاح على الآخر والاستفادة من تجاربه ونماذجه العالمية وفق استراتيجية تعمل على "توطين" المستورد لخدمة الهدف الأهم، وهو تضييق الفجوة الهائلة مع الدول الصناعية، والتي كما يقول العالم الباكستاني محمد عبدالسلام، الحاصل على جائزة "نوبل" في الفيزياء، لن تضيق بالإدمان على استيراد التكنولوجيا، بل بقدرة الدول الإسلامية على صناعة مستقبلها العلمي والتكنولوجي، والعمل على تدريب نخب العلماء المتميزين في مجالات العلم المختلفة، وإزالة العوائق أمام العلم والعلماء والتعليم. بمعنى آخر؛ الابتعاد عن التقليد الأعمى والنماذج المستوردة، إلى توطين المعارف الفكرية والعلمية في واقع المجتمع المحلي، وإنتاج نماذج ونظريات تساعد على حل مشكلاته. وذلك ما فعله محمد يونس، الحاصل على جائزة "نوبل" في الاقتصاد، من خلال مشروعه "بنك الفقراء" الذي مثل نموذجاً لمعالجة موضوع الفقر في بنجلادش. الأمة العربية ستكون قادرة على اكتساب شروط النهضة وصناعة المستقبل ومنافسة الآخرين... إذا ما توفرت لها الإرادة الصادقة، وتحقق التكامل بين دولها في كل المجالات، وعلى الخصوص المجالات الاقتصادية والعلمية والتعليمية، علاوة على ضرورة إيجاد منهج علمي وعملي يحدد الأهداف ويرسم طريق الوصول إلى تحقيقها، في آجال زمنية محددة. Summary محمود Management