قريباً سيكون على أوباما اتخاذ قرار بالغ الأهمية: كم من القوات الأميركية يتعين سحبها من أفغانستان خلال الصيف القادم وما هي طبيعتها؟ والحقيقة أن موعد يوليو المقبل الذي حدده أوباما لسحب القوات الأميركية ليس أكثر من موعد مفتعل اضطر أوباما إلى وضعه، ليس لأنه سيساعدنا على بلوغ أهدافنا في هذا البلد المهم استراتيجياً، بل لإرضاء طموحاته السياسية على الصعيد الداخلي، فعندما تعهد أوباما في عام 2009 بالانسحاب كان قد أعلن في الوقت نفسه وبالتزامن مع ذلك إرسال قوات إضافية إلى أفغانستان. وإذا كان القرار في ذلك الوقت قد افتقد إلى الحصافة، فإنه بات اليوم خطيراً، ومهما كان مفتعلاً الموعد الذي حدده أوباما للانسحاب سترينا الطريقة التي سيتعامل بها مع القرار ما إذا كان ملتزماً بهزيمة "طالبان" و"القاعدة" بأفغانستان أم أنه فقط يبحث عن مخرج من صراع لا يفهمه ولا يدعمه، كما أن قراره النهائي سيبعث برسائل مهمة إلى خصوم أميركا وحلفائها على حد سواء في العالم، وفي كل ذلك يبقى الوضع العسكري داخل أفغانستان غائماً وغير واضح، إذ رغم أجواء التفاؤل التي يشيعها المسؤولون الأميركيون حول الوضع في البلاد وفعالية وشجاعة قواتنا المسلحة، التي لا يشكك فيها أحد. هناك أيضاً تقارير مزعجة وأقل تفاؤلًا، ففي شهر فبراير الماضي تبين أن انسحابنا من "وادي بيتش" بشمال شرق أفغانستان، وهي بؤرة ملتهبة شهدت معارك لفترة طويلة، كان متسرعاً، والمفارقة أنه في الوقت الذين ساق فيه دعاة الانسحاب فكرة قطع الطريق على "القاعدة" التي تجند أتباعها بسبب التواجد الأميركي في المنطقة أدت مغادرة وحدات أميركية إلى رجوع عناصر "القاعدة"، التي أقامت لها قواعد للتدريب وتنفيذ العمليات بوادي "كورينجال". ولا ننسى أيضاً أن الجهود الأميركية للبحث عن عناصر من "طالبان" مستعدة للتفاوض أثبتت فشلها الذريع، بل وكانت في بعض الأحيان مذلة لقواتنا، ولعلنا نتذكر في هذا الصدد ذلك المفاوض المزيف الذي ادعى في العام الماضي أنه عضو بارز في "طالبان"، وحصل على أكياس مليئة بأموال حلف "الناتو" والتقى بالرئيس كرزاي نفسه فقط ليتضح أنه محتال؛ أما عن النفوذ الإيراني في أفغانستان فهو مازال قوياً من خلال تمويلها لحركة "طالبان" وتسليحها والسيطرة على إمدادات النفط المهمة، علاوة على تهديدها المستمر بطرد ما يقارب مليون أفغاني لجأوا إلى إيران، وهو ما قد يتسبب في زعزعة الاقتصاد الأفغاني الهش، لذا وفي حال مضت الإدارة الأميركية في خطة الانسحاب من أفغانستان فإن ذلك سيصب بدون شك في صالح إيران، ومن القضايا الأخرى المهمة استراتيجياً والمرتبطة بأفغانستان ما سيؤول إليه الوضع في باكستان إن قررت أميركا مغادرة المنطقة، فرغم تدهور علاقاتنا مؤخراً مع إسلام آباد تظل البلاد مهمة بالنظر إلى ترسانتها النووية واحتمال سقوطها في أيدي المتطرفين الإسلاميين، ولئن كانت الضربات الجوية التي تقوم بها الولايات المتحدة على جانبي الحدود فعالة في ضرب فاعلية "القاعدة" ومحاصرتها فإن تلك الجهود ستتعرض للتهديد لو أدركت باكستان أن ما يشغل أميركا هو البحث عن مخرج والفرار بجلدها من أفغانستان، ومع ذلك ورغم كل هذه الاعتبارات الاستراتيجية التي تمنع الانسحاب من أفغانستان فإن القرار النهائي لإدارة أوباما سيعتمد بالأساس على عوامل سياسية داخلية تماماً كما كان عليه الأمر بالنسبة لإعلان الانسحاب في العام 2009 الذي سعى أوباما من خلاله إلى إرضاء قاعدته الانتخابية حتى يخفف من وقع خطة الزيادة في عدد القوات التي أعلن عنها وقتها. وبالنسبة لأوباما تبقى "الشروط على الأرض" التي يتحدث عنها وتهمه أكثر من غيرها هي الظروف السياسية داخل أميركا وليس الواقع الميداني في أفغانستان. واليوم ونحن نشارك في حرب أخرى بليبيا، يبدو أن أوباما سيحاول مرة أخرى إثبات مؤهلاته السلمية من خلال سحب القوات من أفغانستان، لا سيما وأنه لا يريد ما يعكر صفو ترشحه في الانتخابات الرئاسية المقبلة، لكن وفي المقابل قد يشعر أوباما أنه محمي سياسياً إذا ما قرر "الناتو" تسليم العمليات العسكرية إلى القوات الأفغانية بحلول عام 2014 بحيث لن يضطر إلى تقليص التواجد الأميركي في أفغانستان. وفي جميع الأحوال تظل أولوية أوباما في هذه المرحلة هي الاستفادة من التقدم الذي أحرزه جنودنا في أفغانستان والبقاء لاستكمال المهمة إلى الآخر، وسواء اقتنع أوباما بهذا الرأي، أو قرر الانسحاب للوفاء بتعهده، فإن ذلك ما ستكشفه الأيام المقبلة، علماً أنه علينا التأكد تماماً بأن أي انسحاب من أفغانستان تحركه دوافع سياسية أميركية بدل الاعتبارات الاستراتيجية الحقيقية سيهدر الانتصارات الصعبة التي تحققت في البلاد منذ عام 2009، فالانسحاب سيوصل رسالة إلى "طالبان" و"القاعدة" مفادها أن كل ما عانوه من ضغوط على مدى الفترة الماضية سينتهي، كما سيقول للمتطرفين في المنطقة أنهم بإمكانهم استهداف أميركا والإفلات من العقاب، وكل هذه النتائج والتداعيات ستهدد ليس فقط الولايات المتحدة، بل ستعبث بالسلم والأمن الدوليين. جون بولتون مندوب الولايات المتحدة السابق في الأمم المتحدة ينشر بترتيب خاص مع خدمة "إم. سي. تي. إنترناشيونال"