كان التوطين في المؤسسات الصحيفة والإعلامية الإماراتية في السابق أفضل مما عليه اليوم، هكذا يرى الجيل الأول من الصحفيين والإعلاميين المواطنين الذين دخلوا المهنة وكافحوا فيها خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي. ويقول هؤلاء إن الفرصة كانت متاحة للمواطن بشكل أفضل للعمل في المؤسسات الإعلامية، وكان الصحفي المواطن يتاح له المجال لتطوير مهاراته وقدراته وتولي مسؤوليات قيادية في هذه المؤسسات. وفي السنوات الأخيرة، هجر العديد من الكوادر المواطنة الصحف، واتجهوا للعمل في أقسام الإعلام والعلاقات العامة في الدوائر والمؤسسات الحكومية التي قدمت لهم رواتب ومميزات مادية أفضل، مع أعباء وظيفية أقل بكثير. وبالإضافة إلى مشكلة تسرب الكوادر المواطنة، هناك مشكلة عزوف الطلاب المواطنين عن الالتحاق بأقسام الصحافة في كليات الاتصال والإعلام الجماهيري في جامعات الدولة. لأن معظم طلاب الإعلام يختارون مسارات العلاقات العامة أو الإعلام المرئي، حتى إن بعض مسارات الصحافة أصبحت تقتصر على الطالبات من دون الذكور الذين يفضلون إما العلاقات العامة أو التلفاز، فبالنسبة لهم العمل التلفزيوني أكثر ألقاً وبهرجة من الصحافة التي تتطلب كفاحاً طويلاً حتى يبني المرء لنفسه اسماً ومكانة في الوسط الإعلامي، هذا إذا وقع أصلاً في غرام "مهنة المتاعب" وشغف بها. المشكلة لا تنحصر فقط في ضعف رواتب الصحفيين ومخرجات كليات الإعلام بالجامعات... فالجزء الأكبر من المشكلة تتحمله الإدارات التي تعاقبت على بعض المؤسسات الإعلامية طوال العقد الماضي ولم تضع توطين الإعلام ضمن استراتيجياتها وخططها وبرامجها المرتكزة على تحقيق التنافسية والربحية. ووفقاً لهذين المبدأين (التنافسية والربحية)، اهتمت المؤسسات الصحفية بتعيين الصحفي المحترف الجاهز والمؤهل.. ففضلت الأخوة العرب من الذين امتهنوا العمل الصحفي في بلدانهم أو لديهم تجربة صحفية ثرية بالدولة. وكنتيجة طبيعية، لم يكن التوطين أولوية في بعض المؤسسات الإعلامية التي يرى القائمون عليها أنه يتعارض مع التنافسية والربحية. قبل أكثر من عام، أُعلن في اجتماع لجمعية الصحفيين عن برنامج طموح لتوطين الصحفيين في المؤسسات الإعلامية، لكن هذا البرنامج تعثر في بدايته. وبعد مرور أكثر من عام على إطلاق البرنامج الذي تولى المجلس الوطني للإعلام الإشراف عليه، فإن كل ما أنجز هو عقد بعض الدورات التدريبية لعدد من المواطنين الذين يعملون أصلاً في المؤسسات الإعلامية، ولم يتم استقطاب أي خريج جديد وتدريبه في مؤسسة صحفية مقابل مكافأة ومن ثم تعيينه في تلك المؤسسة إذا أثبت كفاءته في العمل الصحفي كما كان يقترح البرنامج الطموح في بدايته. نقطة أخرى جديرة بالذكر؛ هي أن التوطين في الصحافة ليس فقط مسؤولية المؤسسات الصحفية الحكومية أو شبه الحكومية، وإنما أيضاً مسؤولية الصحف الخاصة، لأن الجميع يعتمد على الربحية لا على الدعم الحكومي كما كان في السابق. وهناك تفاوت كبير في نسب التوطين في المؤسسات الصحفية، ففي أحسن الحالات تزيد نسبة التوطين في إحدى كبرى المؤسسات عن 30 في المئة، وهي نسبة جيدة ينبغي المحافظة عليها وزيادتها، في حين لا يتجاوز عدد المواطنين في مؤسسة أخرى كبيرة أصابع اليد الواحدة! على إدارات المؤسسات الصحفية رصد ميزانيات خاصة للتوطين، وإن كان باستقطاع نسبة من عوائد الإعلانات السنوية التي تتجاوز عشرات الملايين من الدراهم. فمثل هذه الخطوة تجعلها أكثر مصداقية عندما تناقش في أخبارها وتحقيقاتها غياب التوطين في الشركات الخاصة. إذا لم تكن هناك برامج جادة تفرض التوطين في الإعلام، وفي ظل تفاقم ظاهرة تسرب الكوادر الصحفية المواطنة من المهنة، ومع ضعف القدرة على استقطاب كوادر جديدة، يمكن التنبؤ بأنه بعد سنوات من الآن قد يختفي أو ينقرض الصحفي المواطن خاصة من الذكور.