يقيم "مركز دراسات الوحدة العربية" يوم غد الإثنين مؤتمراً لتدارُس التجربة الفكرية والسياسية للمفكر الراحل محمد عابد الجابري. وكنتُ قد كتبتُ عنه بـ"الاتحاد" عقب وفاته قبل سبعة أشهُر. إنما بسبب التصدعات والثورات في العالم العربي، يبدو وكأنما الجابري وأركون وأبو زيد والمسيري، تُوفّوا بالأمس وضمن أحداث الثورة. إذ هؤلاء جميعاً وغيرهم من كبار المثقفين العرب، قضوا عقدين أو ثلاثة ينتظرون التغيير والنهوض والثورة في أوطان العرب وعقولهم. لقد كانوا متفقين حول سوء الأوضاع السياسية والثقافية، لكنهم كانوا مختلفين بشأن البدائل والخيارات، تبعاً لاختلافهم في تشخيص الداء. وكان طبيعياً أن ينسبوا العُطْل الرئيسي للأنظمة السياسية السائدة، وإنما بحكم طبيعة عملهم واحترافهم، فقد خصّصوا المساحات الأوسع من فكرهم وكتاباتهم للعمل الفكري والنضال العامّ، حسبما أُتيح لهم أو رأَوه مُجْدياً. وبالوسع القول إنّ الإشكالية الإسلامية أو دور الإسلام في الحياة العامة، كانت سائدةً بينهم وباتجاهاتٍ ووجوهٍ متقاربة أو متباينة. فالمسيري، أُستاذ الأدب الإنجليزي واليساري السابق، تحول باتّجاه الإسلام الثقافي النضالي منذ الثمانينيات. وجاء تحوُّلُهُ هذا على خلفية المواجهة مع اتجاهات اليمين واليسار الأوروبي والأميركي والصهيونية والإسلاموفوبيا. وفي أواخر سني حياته عرفنا توجهاته السياسية الاحتجاجية على الجمود والتراجُع عندما عمل مع حركة "كفاية". أما المثقفون الكبار الآخرون، فقد رأوا في الإسلام الثقافي (حركة الصحوة)، وفي الإسلام النضالي (الجهاديين والإخوان) عاملاً سلبياً يشكّلُ انسداداً في الإسلام، وزادتْ من حِدَّته سياسات السلطة. لذلك فقد أطلقوا خلال العقود الأربعة الماضية مشروعاتٍ فكرية لإعادة قراءة الإسلام قراءات نقدية تتفاوتُ في راديكاليتها، لكنها لا ترى بديلاً عن حركة إصلاح ديني تُشبه ما جرى في أوروبا خلال القرنين الـ16 والـ17. إنّ المشروع الفكريَّ للجابري يمكن فهمُهُ في هذا الإطار النقدي والثوري التغييري. لكنه مختلفٌ عن المفكرين الآخرين من عدة وجوهٍ ومسائل، بعضُها يتصل بأنه في الأصل حزبيٌّ يساريٌّ عمل حتى أواخر السبعينيات في "الاتحاد الاشتراكي" بالمغرب. وبعضُها الآخر يتعلق بأنه ما كان يائساً من إمكان استيعاب هذا النهوض الإسلامي (الصحوة) في الحركة العربية العامة من أجل التغيير. والوجه الثالث لمشروعه، هو أنه كان عميق الاقتناع بوجود الأمة العربية، وأنّ النهوض المقصود والمطلوب هو نهوضٌ عربيٌّ شاملٌ، من أجل التقدم والمشاركة في العالَم الحديث مشاركةً قويةً وندّيّة. عندما صدر كتاب الجابري "نحن والتراث" عام 1980، متضمناً المعالم الرئيسة لتوجهاته النقدية تُجاه الموروثات الفلسفية العربية الكلاسيكية، كان قد تفرّغ للتأليف والتدريس، وبلْورة مشروعه الفكري. وبينما تتابعت خلال الثمانينيات مؤلّفاتُهُ في نقد التراث، صدر كتابُهُ النقدي في "الخطاب العربي المُعاصر". في الجانب الكلاسيكي لمشروعه، اعتبر الجابري أنّ الموروث الفكري والثقافي العربي الإسلامي، ما يزال قوياً وحاضراً فينا، بيد أنّه حضورٌ سلبي؛ لأنّ الحاضر من الموروث كان قد مَرَّ بِحِقَب انحطاطٍ بلغت حوالَي الألف عام. ولذا فقد اتجه الجابري إلى زمن التأسيس (بين القرنين الأول والرابع للهجرة) للبحث عن أسباب ذلك الجمود والتخثُّر. لقد رأى في "تكوين العقل العربي"، و"بنية العقل العربي" أنه سادت في "عصر التدوين" وبالتدريج ثلاثة أنظمةٍ معرفيةٍ مُتصارعة: النظام البياني، والنظام العرفاني، والنظام البرهاني. وتابع الجابري أنّ تيار العرفان كان منذ البداية تياراً تخريبياً، وقد اخترق التيارين الآخرين بدرجاتٍ مُتفاوتة. فاستطاع ذلك التيار المكوَّن من أمشاجٍ وعناصر من خارج العروبة والإسلام، إفساد العقلانية الأرسطية منذ الفارابي. كما استطاع من خلال الصوفية والشيعة الغُلاة أن يدخل على الفكر الديني لأهل البيان. وفي حين لجأت العقلانية والبرهانية إلى المغرب والأندلس فنجتْ من الإفساد والاختراق، ونشرت عقلانيةً تقدميةً وصلت إلى أوروبا الوسيطة من خلال ترجمة أعمال ابن رُشد؛ فإنّ الاختراقات التي حدثت في تيار نهج البيان (أهل السنة)، أدّت إلى ردود فعل متشدّدة ضربت الاعتزال، وجمَّدت الأشعرية، ورفعت من شأن الحنبلية السلفية. وهذا في الوقت الذي ما استطاع فيه هذا التشدد إيقافَ عرفانية الصوفية التي ضعضعت صفوف السنة، وسادت في المجال الديني والفكري والثقافي الإيراني حتى اليوم. لقد فهم الجابري أن هذه الانسدادات والتمزُّقات التي حدثت واستمرت لدى أهل السنة، أَوصلت الوعي الإسلاميَّ العامَّ إلى الجمود والانسداد والتقليد حتى مشارف الأزمنة الحديثة. ولذا فالقراءة النقدية لتاريخ الفكر العربي من منظور نُصرة التوجهات العقلية في ذاك الفكر، وإطلاق موجة ثقافية تجديدية، يمكن أن تٌفيد في كسْب الأكثرية التقليدية لصالح نهوض الأمة وتقدمها؛ وبخاصةٍ أنّ فكرة الأمة ما تزال عميقة في أَوساطها. إنّ الأوضاع الفكرية والسياسية التي وصفها الجابري، أَوصلت في نظره النُخَب العربية في القرن العشرين، وبعد أن فشلت الحركتان الإصلاحيتان بالمشرق والمغرب، إلى نوعٍ من التغرُّب الذي أثّر سلّباً في العلائق بالجمهور، وبالأنظمة وبالعالَم الحديث والمُعاصر. فبسبب إلحاح الاحتياجات، نتيجة المتغيرات التي فرضها الاستعمار الأوروبي للعالَم، ساد لدى الحركات القومية ثم اليسارية العاملة على التغيير المثال الأوروبي للتقدم وللدولة الحديثة. والجابري مقتنعٌ بأنّ النهوض لا يمكن أن يكونَ إلاّ ذاتياً، ومن جانب الجمهور الذي هو مسلمٌ بغالبيته العُظمى. وهذا يعني أنّ الفكر القوميَّ بقي فكر نُخْبةٍ أو نُخَب، واتّخذ مع زيادة التحديات وتعاظُمها سِمات ثورية وطليعية. إذ وضع هؤلاء نُصْبَ أعيُنهم هدفين للمناضلة: الاستعمار الأجنبي، والفكر التقليدي السائد. لذلك فقد قوبلت الأنظمةُ العسكرية التقدمية بترحابٍ شديدٍ من جانب تلك النُخَب، لأنها وضعت أهدافاً هي في الأصل طموحاتٌ للنُخَب، وربما للجمهور كُلِّه أيضاً. إنما الذي حصل أنّ الأنظمة الانقلابية ما استطاعت مُواجهة التحديات الداخلية والخارجية، وفقدت نضاليتها بعد هزيمة 1967، فازدادت ابتعاداً عن الجمهور، وانصبَ اهمتامُها على إنتاج شتّى الوسائل للاحتفاظ بالسلطة. والجابري يرى أنّ أنظمة الضباط كان ينبغي أن تنتهي بنهايات الحرب الباردة. لكنّ اهتمامه انصبَّ على كيفية تثوير الجماهير من أجل التغيير الشامل. فلو أنّ ضابطاً طيِّباً وتقدمياً مثل جمال عبد الناصر وصل للسلطة بمصر الآن (سمعتُ هذا الكلام منه في خريف عام 1999) لما أفاد ذلك شيئاً ولا نفع. فالجمهورُ العربيُّ سلْبيٌّ ويبدو جامداً لا لِعَيْبٍ بنيويٍّ فيه، ولكنْ للضياع الذي حصل من الناحية الفكرية، ومن الناحية السياسية. فبحسب الجابري، لابد من "كتلةٍ تاريخية" تُطلق حركةً تغييريةً كبرى في الفكر والثقافة والسياسة والدولة. وقد اعتقد الجابريُّ أنّ هذه هي السبيل الوحيدة للنهوض والتقدم، لأنّ النهوض لابد أن يكونَ ذاتياً، فالديمقراطية العربية لا تُصنع في أوروبا ولا في الولايات المتحدة. وتجاربُ القرن العشرين تُثبت ذلك وتؤكده. تُوفِّي الأُستاذ الجابري، وهو على يقين بأنّ التغيير الجذري ضروريٌّ وقادمٌ، لكنه كان ينتظرُهُ من النُخْبة المدنية الرسالية التي يدعمُها الجمهور، وما كان ينتظرُهُ من الشارع الذي يملؤه الشباب، وبدون قيادةٍ فكرية أو سياسية. لكني على ثقةٍ أنّ هذا التطور لو حصل في حياته، لَحَظِيَ بتأييده وترحيبه. إذ بخلاف رفاقه الكبار من مثقفي القومية واليسار، ما كان الجابري يرى فارقاً أو فاصلاً بين العروبة والإسلام في وعي الجمهور. لذلك ما كان يخافُ الإسلام الأُصولي ولا غير الأُصولي، وإنما يخشى أمرين اثنين: قدرة الأنظمة -بالقمع وبغيره- على الاستمرار، واستمرار الطليعية الفصامية في السيطرة في أَوساط النُخَب. إذ كيف يستطيع من لا يُحبُّ هذه الأمة بعُجَرِها وبُجَرِها، أن يعمل على التغيير في أوساطها؟!