الصناعة في الكويت حائرة إزاء مشاكل واقعها ومستقبلها على حد سواء، فهي تخوض معارك مختلفة على أكثر من جبهة، هناك أولاً ظروفها الداخلية في علاقتها بالحكومة والتشريعات المنظمة لهذا النشاط الاقتصادي، وقضايا التمويل والتسويق والمشاريع والمناقصات. وهناك ثانياً ظروف المنافسة الداخلية فيما بينها بسبب ضيق السوق ومحدودية قوة الاستهلاك ومشاكل العمالة. كما تجد هذه الصناعة نفسها كذلك، ثالثاً، في صراع تنافسي مع دول خليجية أخرى أقوى وأسرع وأرسخ وأفضل تخطيطاً ودعماً لقطاعها الصناعي، إلى جانب واقع السوق الكويتية المفتوحة للتجارة والتصدير والاستيراد، وما يتبع ذلك من تدفق البضائع القادمة من أوروبا وآسيا وأميركا.. والعالم الثالث! ويقول الباحث الصحفي "عيىسى الحمصي"، في ندوة خاصة نظمتها صحيفة "الجريدة" الكويتية في يناير الماضي، إن من أبرز ما يعانيه القطاع "الإغراق والقسائم الصناعية وشح الأراضي المخصصة له وتغييب الدور المتعاظم للقطاع وعدم الاهتمام الكافي من قبل التنمويين القائمين على خطة التنمية. كما أن الصناعة تعاني ضعف الدعم المقدم من البنك الصناعي وشح القروض، ولا ننسى هموم الروتين والدورة المستندية التي تعتبر إحدى أبرز العقبات أمام هذا القطاع الحيوي، إضافة إلى ضعف خبرة الكادر القائم على إجراءات واجبات القطاع الصناعي، فربما كان المصنع المراد إنشاؤه لم يسمع به الموظفون سواء في الهيئة العامة للصناعة أو في غيرها من الهيئات الحكومية والجهات الرسمية ذات الصلة". تحدث في الندوة بعض أقطاب النشاط الصناعي الكويتي، من هؤلاء "قيس الغانم"، فقال إن تطور الصناعة في الكويت افتقر منذ البداية إلى خطة استراتيجية طويلة الأمد، بعكس الدول الأخرى. وكان منطلق القطاع يتم "عبر اقتراح لبعض التجار الكويتيين الذين أسسوا مصانع وطلبوا لها تراخيص، وحينذاك لم تكن هناك رؤية حكومية واضحة مدروسة لإنشاء صناعات علئ أسس دقيقة. ومما يلاحظ في الوقت الراهن أن أغلب الصناعات الكويتية صناعات تحويلية، أما الصناعات الأساسية فهي صناعات البتروكيماويات". وأشار الغانم إلى تفوق الصناعة السعودية بسبب "الدعم الحكومي"، مما جعلها تحقق حضوراً محلياً وإقليمياً وحتى عالمياً. كما نجحت هذه الصناعة في "توظيف أعداد هائلة من العمالة السعودية، بينما لم نعط الموضوع نظرة استراتيجية على المدى الطويل، ولم نعمل أي شيء منذ تأسيس هيئة عامة للصناعة.. الجهات المعنية -في الكويت- لم تستفد من النظرة الاستراتيجية بأن تستوعب الكويتيين في المصانع، لأن المصنِّع الكويتي لا يستطيع استيعاب العمالة الكويتية لعدم وجود الدعم الكافي كالسعودية". رئيس اتحاد الصناعات الكويتية "حسن الخرافي"، أثنى بدوره على مستوى الصناعة السعودية مبيناً أن التركيز على الصناعة في الكويت منذ أربعين عاماً حتى اليوم، لم يكن بالمستوى المطلوب، بعكس السعودية "التي أضحت تمتلك ترسانة صناعية كبرى، لأن الحكومة هناك منذ الأساس كانت لها استراتيجية واضحة قوية على عكس الكويت". ولفت الخرافي الانتباه إلى أن الكويت لم تشهد منذ أربعين عاماً إنشاء مدينة صناعية واحدة. واشتكى من أن اهتمام الحكومة بالقطاع الزراعي- المتمثل بالدعم والتعويض المقدم للمزارعين، والقائمين على الثروة الحيوانية بل وحتى القسائم الممنوحة لتربية الحيوانات والماشية التي "تتجاوز تلك الممنوحة للبشر"- يفوق ما تعطيه الحكومة للقطاع الصناعي. وقال الخرافي إن السبب وراء هذه الأفضلية "أن مجلس الأمة منذ بدايته حتى اليوم لن نسمع فيه أن أحداً يسأل سؤالاً يتعلق بالصُنَّاع، والزراعة تُدعم لأن وراءها ناخبين والثروة الحيوانية تدعم لأن وراءها أيضاً ناخبين، أما الصناعة والصناعيون فلا دعم لهم، لأن ليس وراءهم ناخبون". رئيس مجلس إدارة الشركة المتحدة للحديد "عواد الخالدي" قال إن المشكلة التي تعاني منها الكويت تكمن في الجهاز التنفيذي، وكل ما يطالب به الصناعيون اليوم في الكويت، "قامت به منظومة دول مجلس التعاون منذ عام 1987، من ناحية إعطاء الأفضلية للمنتج الوطني ودعم المنتج الوطني، عدا الكويت التي بقيت وحيدة في عدم تطبيق هذه القوانين". وانتقد الخالدي الروتين المتحكم في تخصيص المناطق الصناعية، والأمر المهم الآخر كما أضاف، "هو توفير مناطق صناعية على البحر، التي تحتاج إلى موانئ وأماكن النقل، وهذه مشكلة أخرى صار الصناعيون يطالبون بها منذ نحو خمس سنين ولا مجيب". وأبدى الخالدي استياءه الشديد من تعامل البيروقراطية الحكومية مع الصناعيين، "إذ يعاملوننا وكأننا مصنع صغير، وهذه مشاريع تتراوح كلفتها ما بين 400 - 500 مليون دينار، فكيف نعامل مصنعاً لديه 900 موظف بذات المعاملة لمصنع ليس لديه سوى عدد قليل من الموظفين"؟ رئيس مجلس إدارة شركة سدير الكويت، "طارق بدر السالم المطوع"، أثنى بدوره على التجربة السعودية وشدة اهتمام حكوماتها بها، وقال إن التقصير الحكومي في الكويت، "يكمن في دعم المنتج، فلا تسهيلات في التصدير ولا توفير للدعم المحلي في تسويقه محلياً وإعطاء دعم له". "محمد علي النقي"، تحدث عن تجربته بالنسبة للصناعات الثقيلة، فقال إن الهيئة العامة للصناعة "تفتقر إلى الكوادر الكفؤة التي تدرس تلك المشاريع التي تُعرض عليها، خصوصاً التي فيها نوع من التكنولوجيا المتطورة. لماذا لا ترسل الهيئة التي تمتلك جيشاً كبيراً من الموظفين، موظفيها إلى بعثات ودورات خارجية للتأهيل، كي يكونوا على قدر المسؤولية والكفاءة لدراسة المشاريع الضخمة التي تقدم إليهم للصناعات الثقيلة". وانتقد النقي جوانب التمويل. وقال إن البنك الصناعي نسي دوره وتحول إلى بنك تجاري، وأضاف بأنه عندما أنشئ البنك الصناعي كان يعد دراسات بما يفيد المنطقة، أما اليوم، فلا يتقبل حتى الدراسات المقدمة له من قبل الصناعيين، كما "أضحى اليوم بنكاً لا يملك أموالاً لإقراض الصناعيين". ولم يتحدث المشاركون عن أية "أفكار اندماجية" للتغلب على مشاكل حجم رأس المال ومنافسة البضائع المستوردة، أو أي توجه نحو إنتاج بضائع وسلع متميزة، أو التركيز على قطاع معين تتحول الكويت وبعض شركاتها إلى مركز له. وأود الإشارة في هذا المجال إلى الرؤية التي طرحها مثلاً د. محمد العسومي في كتابه "التنمية الصناعية في دول الخليج العربية في ظل العولمة"، الصادر عن مركز الإمارات للدراسات الاستراتيجية عام 2010، ويرى أن "القطاعات الصناعية الثلاثة، الألمنيوم ومنتجات البتروكيماويات وتكرير النفط ومشتقاته، ستشكل الأعمدة الرئيسية الثلاثة لقطاع الصناعات التحويلية في دول مجلس التعاون في المستقبل، حيث يتوقع أن تشهد هذه الصناعات تطورات كبيرة في السنوات القادمة وأن تتحول هذه الدول إلى لاعب رئيسي في هذه الصناعات في الأسواق العالمية". لقد وضع الصناعيون والتجار والمستثمرون الكويتيون أسس الصناعة في البلاد ثم وضعت الحكومة لها القوانين والأطر مع تشكل الدولة. ولا ينبغي للصناعيين أن يتوقعوا بالضرورة رؤية استراتيجية حكومية في هذا المجال. ولعل إحدى مشاكل القطاع الصناعي في الكويت أن لا أحد يعرف إن كانت أولويته الاستراتيجية مصالح الدولة، أم المستثمرين أم الشعب والموظفين؟