امتد لهيب الثورة من تونس إلى مصر إلى اليمن إلى ليبيا. واندلعت المظاهرات التمهيدية في الجزائر والمغرب وموريتانيا والعراق ولبنان. والسودان تئن ألماً من انفصال الجنوب، وحزناً من احتمال تكرار التجربة مع دارفور. فيتمزق أكبر بلد عربي أفريقي. والسؤال: متى يمتد لهيب الثورة إلى فلسطين، آخر وطن عربي؟ لا يوجد نموذج واحد للثورة. هناك النموذج التونسي المصري السريع المتحضر الأقرب إلى السلمي، الذي انحاز فيه الجيش إلى الشعب. وهناك النموذج اليمني المشابه الذي مازال يتخلق. وهناك النموذج الليبي الفريد، الثورة التي يقضي عليها النظام بالسلاح، فترد عليه بالسلاح دفاعاً عن النفس. فيتفتت الجيش. وينضم معظمه إلى الثوار. ويصبح الباقي كتائب للنظام. تساند الثوار قوات التحالف الدولي بقرار من مجلس الأمن الدولي حماية للمدنيين وإعطائهم الغطاء الجوي اللازم بطلب من جامعة الدول العربية. كر وفر بين أسلحة خفيفة للثوار وأسلحة ثقيلة للنظام. وهناك نموذج المظاهرات والاعتراضات، البذور الأولى للثورة في الجزائر والمغرب وموريتانيا والأردن والعراق. المهم عدم توقف لهيب الثورة فتصل إلى فلسطين، بؤرة الوطن العربي.قد يكون الاحتلال عاملاً جديداً إذا ما اندلعت الثورة في فلسطين. فشعبها هو الوحيد الذي يرزخ تحت الاحتلال بالرغم من وجود السلطة الوطنية الفلسطينية في الضفة الغربية واستقلال قطاع غزة. الأول مازال تحت احتلال الشرطة وأجهزة الأمن، والثاني تحت قصف الطيران المستمر. والاحتلال لا يمنع من الثورة بل يدفع إليها. وقد وقعت الانتفاضات الفلسطينية الأولى والثانية والثالثة تحت الاحتلال. وقد يكون الاحتلال عاملاً جديداً للإبداع الثوري لنموذج ثوري جديد يُضاف إلى الرصيد الثوري العربي ونماذجه المتعددة. وقد أصبحت الأوضاع الفلسطينية كالحطب الجاف الذي يساعد على انتقال لهيب الثورة العربية المعاصرة. أولها الانقسام الفلسطيني بين "فتح" و"حماس"، بين الضفة والقطاع. حكومتان: الأولى شرعية، والثانية غير شرعية. الأولى تفاوض، والثانية لا تفاوض. الأولى تعترف بها النظم العربية والدولية، والثانية لا تعترف بها. الأولى لا ترى إلا المفاوضة سبيلاً إلى استعادة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، والثانية ترى المقاومة سبيلاً إلى ذلك. الأولى مستعدة للمساومة على الانسحاب من الأراضي المحتلة في الرابع من يونيو- حزيران 1968، وحقوق اللاجئين، والقدس، والمياه، والاستيطان. والثانية غير مستعدة لذلك. الأولى اعترفت بإسرائيل وفاوضت، والثانية لا تعترف ولا تفاوض. ثانياً فشل المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية منذ اتفاقيتي مدريد وأوسلو على مدى أكثر من عشرين عاماً. وتزداد إسرائيل تشدداً يوماً بعد يوم، تهود القدس، وتزيد المستوطنات، وتقيم الأسوار العازلة، وتحول الضفة الغربية إلى كانتونات منعزلة عن بعضها بعضاً، لا فرق بين عرب 1967 وعرب 1948، بين مدن يافا وعكا وعسقلان واللد والرملة وبئر سبع، ومدن رام الله ونابلس وأريحا وغزة. وفشلت كل الوساطات الأميركية والمصرية والمؤتمرات الدولية مثل أنابوليس والمواقف "الرباعية"، الأمم المتحدة وأميركا وروسيا والاتحاد الأوروبي. ثالثاً ازدياد الحصار حول غزة وتدمير الأنفاق وقيام مصر بوضع سور فولاذي بين سيناء والقطاع لمنع المرور من خلال الأنفاق. رابعاً التبعية للأنظمة العربية دون أن يؤدي ذلك إلى شيء. خامساً استمرار الاحتلال وعدم وجود خطة للانسحاب أو إيقاف الاستيطان. صحيح أن المقاومة تتفجر بين الحين والآخر. والمقاومة تؤلم ولا تحرر، تزعج ولا تقيم دولًا. ويستسلم العرب فنظام العالم ليس لهم. ولا يسهموا في صياغته. ويقبلون ما يفرضه عليهم.ولا يستعملون ما يملكون من أدوات التأثير فيه. يقبلون إسرائيل بينهم، ومستعدون للاعتراف والصلح والتفاوض معها بشرط قبولها المبادرة العربية التي مازالت على الطاولة منذ عدة سنوات. سادساً نشأت في فلسطين أجيال إسرائيلية جديدة، الصابرا. ولم يعودوا مهاجرين. فيها جيل ولد بعد 1948. عمره الآن تجاوز الستين عاماً. وفيها جيل آخر وُلد بعد 1967 عمره الآن أربعة وأربعون عاماً. واللاجئون الفلسطينيون بهم أجيال جديدة ولدت في المخيمات في لبنان وسوريا والأردن. ويعيشون في كل أرجاء الوطن العربي. ومنهم من ولد في المهجر ولا يعرف من فلسطين إلا الذكريات والشعر والأحلام. عندما يمتد لهيب الثورة العربية الجديدة إلى فلسطين تعود القضية إلى الشعب العربي بعد أن استحوذت عليها الأنظمة، واحتكرت العمل السياسي فيها. ويعود إلى الشعب العربي خياله الإبداعي الثوري وربما لنمط جديد من الثورة إضافة إلى النمط التونسي المصري، واليمني، والليبي. وتتغير الموازين الدولية. كما تتبدل صورة العرب في الخارج بعد أن نالوا إعجاب العالم بثوراتهم الأخيرة من أجل الحرية والديمقراطية بعد أن فرضت عليهم في مشاريع الشرق الأوسط الكبير أو الجديد. لقد عاد العرب إلى مسار التاريخ. وتعود فلسطين معهم إليه. وتتحول القضية من منطق الاستجداء والعطف إلى منطق الحق والمطالبة. وإذا كانت الأنظمة العربية المنهارة قد قسمت العرب وأوقعتهم في محاور متضادة. فقد ضاعت فلسطين مرتين، الأولى بسبب هزيمة الجيوش العربية مرتين في 1948 ثم في 1967، ضاع النصف في العصر الليبرالي، والنصف الثاني في العصر القومي، والثانية بسبب الأنظمة العربية التي تاجرت بالقضية. ودافعت عنها على مستوى الكلام والخطاب، والأرض تميد من تحتها احتلالًا واستيطاناً، فإن الثورة العربية التي امتد لهيبها إلى فلسطين وحدت العرب بعد أن ذاقوا تجارب النصر، نصر الشعوب في ثورة عز الدين القسام في 1936، ونصر الجيوش في حرب أكتوبر 1973، ونصر لبنان في حرب 2008، وفي العدوان على غزة عام 2009. إن إبداع الثورة العربية الحالية التي امتد لهيبها من تونس إلى فلسطين، بداية ونهاية، في إعطائها الأولوية للداخل على الخارج، وفي إعطاء الأولوية للسياسة الداخلية على السياسة الخارجية. فالتحرر من العدوان الداخلي يسبق التحرر من العدوان الخارجي. فما دخل اليهود من حدودنا بل دخلوا من عيوبنا كما صور أحد شعراء النكسة. وسواء بادر العرب سلماً أم فرضت عليه الحرب، سواء فاوضوا أو قاوموا فإنهم ينالون احترام العدو قبل الصديق. وراء "فلسطين الثورة" عرب الثورة، ووراء الجبهة المفاوضة جبهة مساندة، ووراء الفصائل المقاومة شعوب ثائرة. حينئذٍ يكون المجتمع العربي قد استكمل بناءه. والمجتمع الإسرائيلي قد بدأت عوامل التفسخ فيه بين شرقيين وغربيين، متدينين وعلمانيين، متطرفين ومعتدلين، مسالمين ومحاربين. وتبددت أسطورة الجيش الذي لا يقهر. وتنوعت أساليب الحروب كما تنوعت مصادر السلاح. والإبداع الثوري للتخلص من نظم القهر في الداخل قادر أيضا على التخلص من نظم القهر في الخارج، الاحتلال والتبعية دفاعاً عن الاستقلال الوطني جوهر الوجود العربي.