لم تكن العلاقات بين الهند والصين يوماً ما على مايرام. وهذه الحقيقة تبرز بشكل خاص في تلك الجوانب من علاقاتهما التي يتناقص فيها منسوب الثقة. وهناك العديد من الموضوعات الخلافية بين البلدين، بدءاً من النزاع الحدودي، إلى قيام الصين بتنفيذ مشروعات في الجانب الباكستاني من الحدود الكشميرية، إلى عدم التوازن التجاري بين البلدين(لمصلحة الصين). وهذه الموضوعات كثيراً ما تثار في اللقاءات التي تجري بين البلدين بشكل دوري وتكون عادة سبباً في التوتر والاحتكاكات بين الدولتين يُنظر إليه على أنه نتيجة لسعي كليهما للحصول على المزيد من المكانة والنفوذ في إطار النمو الاقتصادي المتسارع الذي يمران به في الوقت الراهن. على الرغم من ذلك، كان الأسبوع الأخير جيداً بكافة المقاييس في مسيرة العلاقات بين البلدين، حيث التقى رئيس الوزراء الهندي بالرئيس الصيني في مدينة سانايا الواقعة في مقاطعة "هانيان" وذلك على هامش قمة دول"البركس"(البرازيل، روسيا، الهند، الصين، وجنوب أفريقيا). وعلى ما يبدو أن الرئيسين قد نجحا خلال لقائهما في تحقيق بعض المردود الإيجابي، بعد فترة شهدت توتراً في العلاقة بينهما. ففيما يُنظر إليه على أنه اختراق كبير، اتفقت الهند والصين على استعادة التعاون الدفاعي الكامل فيما بينهما، وذلك بعد أن مهدت محادثات الزعيمين للترتيب لقيام وفد عسكري هندي عالي المستوى بزيارة للصين في شهر يونيو المقبل. وسوف يضم هذا الوفد بعض كبار مسؤولي الجيش الهندي، ممن يخدمون في كشمير في الوقت الراهن، ويتوقع أن يؤدي استئناف المحادثات العسكرية العالية المستوى إلى تحسين الأجواء بين البلدين في نهاية المطاف. وكانت الهند والصين قد علقتا المحادثات العسكرية في يوليو من العام الماضي، بعد أن رفضت الصين منح تأشيرة لجنرال جيش هندي لأنه يخدم في كشمير. ورأت الهند في تلك الخطوة رفضاً من جانب بكين للاعتراف بأن كشمير تمثل جزءاً لا يتجزأ من أراضيها، وهو ما يمثل في ذات الوقت اعترافاً بأحقية باكستان التي تنظر إلى كشمير كجزء منها. ومن المعروف أن بكين قد حافظت على علاقتها الطيبة مع إسلام آباد طوال الوقت، وقدمت لها معونات في كافة الجوانب، التي تحتاج إليها بدءاً من المساعدات العسكرية وحتى المحادثات التنموية. وتنظر نيودلهي إلى الموقف الذي تتخذه بكين بشأن كشمير على أنه امتداد لعلاقتها الخاصة مع إسلام آباد (كانت المشروعات الصينية في الجانب الباكستاني من كشمير، تمثل دائماً سبباً من أسباب التوتر القائم في العلاقة بين البلدين). هذه الموضوعات بقيت في الواجهة منذ عدة شهور... أما الموضوع الكبير الذي ظل يثير ثائرة الهند فهو ذلك المتعلق بالممارسة الصينية الخاصة بإصدار تأشيرات الدخول للكشميريين على أوراق منفصلة، بدلاً من ختمها على صفحات جوازات السفر. وعلى الرغم من الجهود العديدة التي بذلتها نيودلهي لإثناء بكين عن تلك الممارسة، فإن الأخيرة لم تغير من موقفها، مما يجعل من هذا الموضوع موضوعاً من الموضوعات العديدة التي تثير التوتر في العلاقة بين البلدين، والتي تحتاج إلى حل. وفي أعقاب الاجتماع الذي ضم قائدي البلدين، بدأت بكين في إرسال بعض الإشارات التصالحية. ففي خطوة يتوقع أنها سوف تؤدي لتعزيز النتائج الإيجابية التي تمخض عنها الاجتماع المذكور، أعلنت الصين عن دعمها للمسعى الهند للحصول على مقعد دائم في مجلس الأمن الدولي، بل ودعت الأعضاء الآخرين في المجلس للدفع من أجل تحقيق إصلاح شامل في منظومة الأمم المتحدة. في تطور آخر مهم، وافق الطرفان على إنشاء ما يسمى بـ" آلية تشاور" لبحث كافة المسائل المتعلقة بالنزاع الحدودي طويل الأمد بينهما، حيث تدعى الصين ملكيتها لأجزاء من ولاية "أروناتشال براديش"، وتمارس ضغطاً مستمراً على الهند بشأن هذه المسألة. وهذا الموضوع الحدودي في غاية التعقيد، وليس من المتوقع أن يجد طريقه للحل سريعاً. ويشار إلى أن البلدين قد خاضتا حرباً قصيرة ضد بعضهما عام 1962. ومنذ ذلك الحين، وبعد عدة جولات من المحادثات الحدودية لم يقترب البلدين من إيجاد حل مقبول لهذه المشكلة. فالصين كانت تضغط دائماً من أجل عقد مباحثات مع الهند لبحث المسائل الحدودية، في حين كانت الهند تعمد إلى تأجيل تلك المباحثات، ولا تبدي حرصاً على مناقشة النزاع خصوصاً على خلفية الاستفزازات الصينية بشأن كشمير. بمعنى أنها كانت تتعمد اتخاذ ذلك الموقف رداً على استفزازت بكين في كشمير. مع ذلك يمكن القول إن النزاع الحدودي الصيني- الهندي، وعلى النقيض من النزاع الحدودي الهندي - الباكستاني، الذي أثر -ولا يزال - على كافة جوانب العلاقات بين البلدين ( الهند وباكستان)، فإن الهند والصين لا يرغبان أن يتحكم النزاع الحدودي بينهما في الطريقة التي يدبران بها شؤون علاقتهما الثنائية. والمحاولة الحالية الرامية لتحسين تلك العلاقات، لا يقصد بها تلطيف الأجواء فحسب، وإنما يقصد بها وضع الموضوعات الخلافية جانباً، أو وضعها على الموقد الخلفي، بحيث يتفرغ البلدان لمسائل التعاون بينهما، ويتحدا كقوتين آسيويتين على الساحة الدولية. فعلى الرغم من الخلافات القديمة بينهما، فإن العملاقين الآسيويين أدركا أنهما كي ينموا اقتصادياً في وجه القوى العالمية الأخرى، فإنه من الأفضل لهما أن يتعاونا بدلًا من أن يختلفا، وخصوصاً في المحافل الدولية. ويشار في هذا السياق إلى أن البلدين قد عملا معاً بشكل ناجح في مباحثات التغير المناخي، كي يضمنا أن الدول المتقدمة لن تنتزع تنازلات من دول العالم النامي، يمكن أن تؤثر على نموه. وعقب محادثات التغير المناخي، والنجاح الذي حققتاه فيها، برزت الصين والهند كدولتين مدافعتين عن حقوق ومصالح القوى لأصغر في العالم النامي. ومع أن قمة دول "البركس" في الصين، قد أتاحت الفرصة لقيادة البلدين لاتخاذ بعض الخطوات لتحسين العلاقات بينهما، فإن ذلك لا يعني أن الموضوعات الخلافية المزعجة سوف تتوقف عن الظهور فجأة من آن لآخر. فتلك الموضوعات لن تختفي إلا إذا توصلت الدولتان معاً إلى حلول جدية للمشكلات الحدودية القائمة بينهما.