ثمة تنافس يتجدد الآن بين الدول الغربية وروسيا في منطقة البحر الأبيض المتوسط؛ يتركز في جله حول إمدادات النفط والغاز، ومبيعات الأسلحة، وهو تنافس جيوسياسي متحول، ويرى ديريك لوتربيك وجورجي انغلبريخت، في كتابهما الذي نعرضه هنا، أنه يتطور لصالح البلدان الواقعة جنوبي المتوسط؛ إذ يعزز نفوذها تجاه البلدان الغربية وروسيا معاً. ويبحث المؤلفان ذلك التنافس في ميداني الطاقة والشؤون العسكرية. ومقارنة بالحرب الباردة، يعتبران أن التنافس الحالي ذا طبيعة مختلفة؛ إذ لا تمثل الأهداف العسكرية والأيديولوجية، دافعاً رئيسياً فيه، وإنما المصالح الاقتصادية أولاً وقبل كل شيء. لذلك فهو سباق في الوصول إلى "تدفقات" الطاقة وصفقات الأسلحة، أكثر مما يتعلق بتحقيق سيطرة إقليمية على المنطقة. ويتابع الكتاب تطور العلاقات بين الغرب وروسيا، وبين كل منهما ودول جنوب المتوسط؛ مثل الجزائر وليبيا ومصر وسوريا، بالإضافة إلى إسرائيل، ضمن سياق التعاون في مجالي الطاقة والتسلح، بما يتضمنه من صفقات وعوائد مالية مهمة. كان البحر الأبيض المتوسط جزءاً من صراع الحرب الباردة، حيث حافظ كل من الغرب والاتحاد السوفييتي على وجود عسكري هدفه احتواء نفوذ الطرف الآخر، كما تنافسا على البحث عن حلفاء في المنطقة. لكن في السنوات الأولى بعد انتهاء الحرب الباردة، أضحت المنطقة خاضعة برمتها لسيطرة الغرب الذي طرحت دوله مبادرات متعددة الأطراف؛ هدفت إلى تعزيز صلاتها السياسية والاقتصادية بجنوبي المتوسط. بينما اكتفت روسيا في عهد يلتسن بدور المتفرج، ووصل وجودها العسكري في المنطقة إلى نهايته. لكن -وكما يوضح الكتاب- فقد عادت روسيا في عهد بوتين إلى الظهور كقوةً متزايدة الأهمية في البحر الأبيض المتوسط؛ وذلك على خلفية البرود الذي شاب علاقاتها بالغرب. وفي مجالات الطاقة والتعاون العسكري بشكل خاص، أبدت روسيا اهتماماً متجدداً بالمنطقة، وكرست جهوداً كبيرة لتوثيق علاقاتها بدول جنوبي المتوسط، مما أقلق البلدان الأوروبية التي رأت في ذلك تهديداً لمصالحها، والنتيجة أنه أصبح ثمة تنافس متجدد بين الغرب وروسيا في المنطقة. وحول التنافس الحالي في مجال الطاقة بين أوروبا وروسيا، يوضح المؤلفان أن إمدادات النفط والغاز تمثل مصدر القلق الأكبر للدول الأوروبية إزاء النشاط الروسي المتنامي في البحر الأبيض المتوسط، فمعضلة الاتحاد الأوروبي الأساسية، تتُمثل باعتماده المتزايد على واردات الطاقة من الخارج، حيث تعدّ روسيا أهم مزوديه بالغاز والبترول؛ إذ تمدّه بنحو ربع استهلاكه منهما. وقد عبّر القادة الأوروبيون عن مخاوفهم من "سلاح الطاقة" الروسي الذي يمكن استخدامه لـ"ابتزاز" الغرب. كما يخشى صناع السياسة الأميركيون من إمكانية تعرّض الدول الأوروبية لضغوط الطاقة الروسية، على نحو يؤدي إلى إضعاف العلاقات عبر الأطلسي. ومع تزايد اهتمام دول الاتحاد الأوربي بأمنها في مجال الطاقة، فقد كان من الأهداف الأساسية للاتحاد تنويع مصادر إمداداته من الطاقة، لاسيما من دول الشمال الإفريقي، الجزائر وليبيا بصفة خاصة، كمزود محتمل بالنفط والغاز؛ بغية الحد من الانكشاف الأوروبي إزاء روسيا في مجال الطاقة، فعاد الحديث مجدداً حول الشراكة الأورومتوسطية! لكن روسيا حاولت توثيق تعاونها مع تلك البلدان، حماية لـ"أمن الطلب" على مبيعات الطاقة، فسعت للانخراط مع ليبيا والجزائر، على أمل إحباط الجهود الأوروبية لشق صفوف المصدّرين. أما في المجال العسكري، فهناك تنافس متنام بين روسيا والغرب في جنوبي المتوسط، ويشمل الوجود العسكري لروسيا في المنطقة ومبيعات الأسلحة الروسية لبعض الدول فيها. فخلال السنوات الأخيرة سعت روسيا لإعادة تعزيز علاقاتها العسكرية، وتشجيع صادرات أسلحتها إلى الجزائر وليبيا وسوريا. كما حاولت العودة إلى البحر المتوسط؛ وأُعلن في عام 2006 عن خطط لتطوير محطات الخدمة البحرية السوفيتية السابقة في مرفأ مدينة طرطوس السورية، إلى جانب مؤشرات أخرى على تنامي الوجود البحري الروسي في الأبيض المتوسط. ويخلص الكتاب إلى تأكيد الطبيعة المتغيرة للتنافس الجيوسياسي الحالي بين روسيا والغرب جنوبي المتوسط؛ إذ رغم أبعاده العسكرية، فهو تنافس اقتصادي بطبيعته؛ إذ يتعلق أساساً بالوصول إلى مصادر الطاقة والأسواق العسكرية، وبدلاً من التنافس العسكري على أماكن محددة إقليمياً، فهو بالأحرى تنافس على مواقع الأسواق، وتتجلى قوة أطرافه في القدرة على الوصول إلى مصادر التدفق، أكثر مما تتجلى في القوة العسكرية الصرف، أو في تأمين السيطرة على إقليم من الأقاليم. محمد ولد المنى ------- الكتاب: الغرب وروسيا في البحر الأبيض المتوسط: نحو تنافس متجدد المؤلفان: ديريك لوتربيك وجورجي انغلبريخت الناشر: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية تاريخ النشر: 2010