رغم التقدم الملحوظ الذي أحرزته إدارة أوباما في مفاوضات التوقيع على اتفاقية ثنائية للتجارة الحرة مع كوريا الجنوبية وكولومبيا وبنما وتوصلها إلى تفاهمات نهائية تقطع مع سياسة التجاهل التي اعتمدتها طويلاً في تجارتها الخارجية، فإنه من جهة أخرى مايزال التعثر والبطء يميز مفاوضات منظمة التجارة العالمية في جنيف التي تقترب هذا العام من عقد لقائها العاشر منذ بدئها، وقد كان المدير العام للمنظمة محقاً عندما شبه المفاوضات الجارية في إطارها بالدابة العالقة في الوحل، محذراً من "أخطار الفشل الحقيقية"؛ وفي هذه اللحظة الحرجة من تاريخ المنظمة لا يمكن لأي من المسؤولين الحكوميين الدفع بعجلة المفاوضات إلى الأمام عدا رؤساء الدول أنفسهم الذين يتعين عليهم الانخراط الجدي لتحرير "الدابة من وحلها"، وتسهيل مسيرتها، هذا وترجع بداية منظمة التجارة العالمية إلى ما بعد 11 سبتمبر 2001 في العاصمة القطرية، الدوحة، التي كان يفترض بها أن تحفز المجتمع الدولي وتدعم النمو الاقتصادي، لا سيما في الدول النامية، فبحسب تقديرات الخبراء والاقتصاديين، فإنه من شأن التوقيع على اتفاقية طموحة وجريئة للتجارة الحرة أن يرفع الناتج الإجمالي العالمي بأكثر من 300 مليار دولار في العام، لذا لا يكف رؤساء الدول ومدراء الشركات الكبرى عن الترويج لمنافع الاتفاقية والحث على تبنيها، كما يتفق جميع وزراء المالية على أن نجاح جولة الدوحة سيساهم في إعادة التوازن إلى العلاقات الاقتصادية الدولية، وهو ما تطالب به مجموعة العشرين في أجندتها الإصلاحية، لكن رغم كل ذلك، لا تبدو فرص النجاح قريبة. والمشكلة تكمن في إصرار الاقتصادات العالمية المتقدمة منها والنامية على رفض الاعتراف بحقيقتين أساسيتين، أولها الوزن الاقتصادي المهم والكبير الذي باتت تتمتع به الأسواق الناشئة على الصعيد العالمي بعد توسعها المتنامي في السنوات الأخيرة. وضمن هذا الإطار، ففي الوقت الذي كانت فيه حصة دول مثل البرازيل والصين والهند لا تتعدى 4.7 في المئة من الاقتصاد العالمي في 2001، قفز هذا الرقم اليوم إلى 6.15 في المئة، ومع أنه على مستوى الدخل الفردي لتلك الدول مازالت في نطاق البلدان النامية، وهو ما يفسر انكبابها على حل المشاكل الداخلية وتحسين معيشة سكانها، إلا أن دورها الاقتصادي المتزايد يحتم عليها الاضطلاع بمسؤوليات أكبر على الصعيد العالمي وإبداء قدر أكبر من التضامن مع الدول النامية الأخرى التي تعرف مشاكل اقتصادية مستعصية، لا سيما وأن صادرات الدول النامية إلى دول أخرى نامية تجاوز 50 في المئة من نسبة الصادرات، وهو الرقم المرشح للارتفاع أكثر بالنظر إلى تزايد الطلب في الأسواق الناشئة ونمو اقتصادها، وحتى يُكتب النجاح لأي اتفاق عالمي للتجارة لا بد من مساهمة الاقتصادات الناشئة الكبرى بفتح أسواقها أمام منتجات باقي الدول النامية والكف عن انتهاج سياسات حمائية. أما الحقيقة الثانية التي تمثل عائقاً أمام التوصل إلى اتفاق فتتمثل في تزايد التشكيك في العولمة ما يُصعب من مهمة الترويج لفكرة التجارة الحرة، على الأقل من الناحية السياسية، لذا فإنه فقط رؤساء الدول وليس الوزراء أو المندوبون من يمتلكون القدرة والوسائل للتوقيع على اتفاقية دولية للتجارة الحرة، وقد سبق للرئيس ساركوزي ورئيس الحكومة البريطانية السابق، جوردون براون، أن دعيا إلى انخراط مباشر من أعلى المستويات في مفاوضات التوقيع على اتفاقية التجارة الحرة. ومع أن الانخراط لا يعني في هذه الحالة بحث البنود الدقيقة والدخول في تفاصيل حول خفض الرسوم الجمركية وغيرها مما يستطيع توليه المتخصصون، إلا أنه لم يعد ممكناً التفرج والاكتفاء بالتشجيع من بعيد، فعلى غرار ما تم في قمم مجموعة دول العشرين في كل من واشنطن ولندن وغيرهما عندما تولى قادة الدول المفاوضات تاركين التفاصيل لوزراء المالية، فإنهم يستطيعون القيام بالمثل في مفاوضات التجارة العالمية، كأن يتفقوا على تبني نفس القواعد والتخفيضات على الرسوم الجمركية لبعض القطاعات الصناعية مثل الكيماويات والأجهزة الإلكترونية، وأن يسمحوا للخدمات بالدخول إلى الأسواق الموصدة في وجهها حالياً مع احترام التشريعات الداخلية للدول والتعهد بمزيد من الانفتاح فيما يتعلق بقطاعات أخرى مثل الاتصالات والنقل والخدمات المالية. وبالطبع يتعين على الأميركيين والأوروبيين مواجهة التحديات التي تطرحها مشكلة الدعم المقدم لقطاعهم الزراعي، وهنا يتعين تدخل قادة الدول بالنظر إلى الوزن السياسي للقطاع الزراعي فيها، وحتى نتفادى مصير الاتفاقية العامة حول التجارة والرسوم المعروفة اختصاراً بـ "الجات"، التي فشلت في تحقيق أهدافها بعد اجتماعات مطولة دون جدوى يتعين على قادة الدول إبداء جدية أكبر في إزاحة العقبات، وفي هذا الإطار يتعين على أوباما الذي حقق نجاحاً مهماً في المباحثات الثنائية لتحرير التجارة ضم جهوده إلى ساركوزي وباقي القادة في مجموعة دول العشرين، حتى يتمكنوا من التوقيع على اتفاق نهائي بشأن التجارة العالمية خلال القمة المقبلة، التي ستستضيفها فرنسا في الخريف القادم. دانيال برايس مساعد سابق للرئيس بوش للشؤون الاقتصادية ينشر بترتيب خاص مع خدمة "واشنطن بوست وبلومبرج نيوز سيرفس"