الدولة- ولا أعني القطر أو الأمة- هي في النهاية الجهاز المتماسك أو الأداة المنظمة لخدمة المجتمع، ودعم تماسكه، ولا أظن أن البكاء على أطلال هذا الجهاز في اللحظات التاريخية يبدو منطقياً إلى حد كبير، فقد تمر المجتمعات بلحظات تدرك فيها الشعوب جيداً أبعاد هشاشة هذا الجهاز فترفضه... وحالة الرفض هذه، هي حالة التمرد، أو الثورة، أو إعادة البناء بصورة أخرى. والمهم هنا أن يجري ذلك على يد أبناء هذه الدولة أو تلك. وهذا ما لا يجعلني متشائماً تجاه ما يبدو في تجارب كثيرة، وأمام أعيننا أمثله للتأمل وتمتد من مصر وتونس إلى الصومال، ومروراً بساحل العاج ونيجيريا. رغم بعد الشقة الذي يبدو بين هذه الحالات أحياناً... ولأطمئن القارئ لتفاؤلي... أدعوه للتأمل في حالات كبيرة حوله، رغم تنوعها أيضاً". ثمة تجربة تحول دور الدولة في الصين، بل وما بدا من انهيار للدولة في الاتحاد السوفييتي، وما يحدث من سيطرة متصاعدة للشركات العالمية و"اللوبيات" في الولايات المتحدة على "رئيس دولة" كان يزعم أنه يغير وجه الدولة. فما الذي جرى؟ تحولات هائلة، تبقى فيها الدولة رمزاً يحتاج دورها إلى التأمل الدائم... والحكم هو عن مدى "وجود الناس" في هذه التجربة أو تلك. أو قل تحقق المصالح، ومن يحققها لصالحه، مستخدماً جهاز الدولة. قد تبدو "الدولة" قوية وتضعف (مصر)، وقد تبدو هشة وتصلُب (ساحل العاج)، وقس على ذلك ما يحدث في شمال القارة وغربها... كأمثلة قريبة... والمحور المشترك هو الديمقراطية. أو التحقق الفعلي لقوى المجتمع، وللبشر وليس رمزية الدولة أو مجرد حضورها القوي كما يتخيل أو يطلب البعض. ففي مصر "تهرأت الدولة" ذات التاريخ الطويل في الحضور أو الاستقرار بجانب مظاهر التهرؤ، ولمسنا ذلك منذ انتفاضة "الحرامية"، إلى أحداث الأمن المركزي، إلى الكثير من حركات الاحتجاج، ولم نشأ أن نتنبأ بأن الأمر يحتاج إلى "زقة" لأننا نُقدّس "الدولة" فجعلناها صعبة على العباد حتى فعلها الشباب، وقالوا في 25 يناير إن للدولة معنى جديداً يمكن أن نطرحه. ونأمل معهم أن يمضوا فيه. لو مضوا بمفاهيم الديمقراطية إلى مداها الحقيقي، لأنه لا مصلحة للغرب بأي حال في دولة قوية أو ديمقراطية في مصر. وفي ليبيا بلد "عمر المختار" التي هزمت الدولة الفاشية الإيطالية، تقدست الدولة على يد الفردية المطلقة، التي لم تأبه حتى بأي مفهوم "للدولة" إلا هزل الجماهيرية! وإذ بها هشة إلا من تبادل النيران مع جماهيرها وحلف الأطلطني بسلاح لا نعرف مدى علاقته بالدولة، وحتى الأطلطني لا يفسر لنا معنى "الدولية" إلا أن يكون الفاعل شركات السلاح والمقاولات في مواجهة قوى تحارب بنفس السلاح.. "وغياب الناس" هنا لا يوحي بحضور حقيقي لأصحاب مشروع الدولة. وهناك حالة ساحل العاج، فهي "الرمز الرأسمالي" طوال الستينيات والسبعينيات، أيام كانت في مواجهة "متطرفي الاشتراكية"... ولم يكن يذكر أبداً علاقتها بمفهوم "الدولة" في ظل أبوية قبلية للراحل "هوفيه يوانييه"، فالتغيير "الاقتصادي العالمي" للدولة في أفريقيا- وليس حتى التنموي- غطى على هشاشة الدولة القبلية، وعندما انهارت هذه الأبوية على يد الورثة، باتت شركات "الكاكاو" والبن هي الحاكمة، وهذه أسواقها في باريس ولندن. لكن "جباجبو" هدد مؤخراً بتأميم الكاكاو.. وزحف بأهله على منطقة زراعته في الوسط، فهدد بعض مصالح "الاقتصاد العالمي"... كما هدد بديكتاتوريته في العاصمة موقع الإدارة الرأسمالية لأسواق غرب أفريقيا كلها.. ومعنى ذلك سقوط "دولة الاستقرار" لتكشف عن دولة الهشاشة أمام المصالح الكبرى. وتدخلت مصالح السوق الخارجي على طبيعة دولة السوق المحلي، فكان يجب أن تنهار. وآخر الأنباء أن زوال "جباجبو" لن يعني بقاء هذه الدولة، حتى على هشاشتها؛ فالأفضل للاستيلاء على الكاكاو والبن بسهولة أكثر أن يضطرب الحال بين قوات وعساكر "جباجبو" وتنظيمه الشبابي في الجنوب، وبين الزاحفين من الشمال أنصار "وتارا" أصلاً ولقاءهم في الوسط، حيث المزارع الغنية بالمحاصيل المهمة.. وكم انتظر "ساركوزي" في باريس سقوط "عميل الاشتراكيين الديمقراطيين" الفرنسيين، المنافسين في لحظات حرجة قبل إعداده البرنامج الانتخابي لحملته للرئاسة القادمة! وهو أيضاً في حاجة لقوة أكبر في الأطلنطي أمام المنافسة الألمانية على "العواطف الأميركية"..! حالة نيجيريا.. مختلفة في هذا المجال... ونتائج الانتخابات البرلمانية والرئاسية لم تنته إلى مصيرها الأخير بعد، إلا الإشارات الأولية عن سقوط "حزب الشعب الديمقراطي".. الحاكم حالياً.. وطوال العقد الأخير... ونيجيريا ذات تجربة عميقة في صراع "الدولة" والقبلية أو بالأحرى "الجهوية". لكن رأسمالية البترول والمؤسسة العسكرية المنظمة، تبادلتا الأدوار لتحافظا على "الدولة كجهاز للحكم" على مدى العقود الخمسة منذ الاستقلال. ونسَّق تفاعل العاملين أدوار ونفوذ الأقاليم الثلاثة الكبرى، الشمال والغرب والشرق. وأوقف هذا التناسق الرد على غضبة "الشرق" من قبل إلى حد محاولة انفصال "بيافرا"؛ بل ونسق ضد استبداد الغرب على يد الجنرال "أوباسانجو"... لأن منسق الانقلابات "الجنرال بابانجيدا" من الشمال! هكذا كان ثمة جهاز دولة وليس دولة حقيقية، ولكن الدور الإقليمي لنيجيريا الكثيفة السكان والثروة البترولية، جعلها ذات قيمة لكل الأطراف الإقليمية المحيطة، والدولية من بريطانيا حتى فرنسا والولايات المتحدة، حتى أنه حين تعددت حوادث الاضطراب الديني والإقليمي، وكان أعنفها في دلتا النيجر شرقي البلاد، سخر البعض بأن أكبر دولة موردة لقوى حفظ السلام في أفريقيا. تعاني افتقاد أوضاع سلمية! إلى هذا الحد المؤسف أحيانا (أحداث جوس وزاريا وكانوا.." الخ.. في الحالة النيجيرية "دولة هشة" بالتأكيد، لكن الرأسمالية المحلية والخارجية في نيجيريا تدرك قيمة العملية الديمقراطية لبقاء رمزية الدولة. وهذا المطلب الذي يمتد- كما قلنا- من القاهرة إلى طرابلس إلى أبيدجان.. هو الذي تدركه على نحو مبسط القوى المسيطرة في نيجيريا.. ولا يحتاج الأمر لكل عبقريات "لجان الحوار الوطني" أو "الإنقاذ" أو نصائح صندوق النقد الدولي! في نيجيريا أربعة أحزاب قوية باتت تمثل تحالف الرأٍسماليين والعسكر، ولم تعد تمثل القبائل والجهويات إلا بشكل رمزي أحياناً. وفي تنافس أبناء الجلدة الواحدة- كما يُقال، لا يحتدم الصراع، وإنما يتهادى سلمياً. وفي هذا الجو تجري انتخابات واسعة النطاق الآن لمجلس النواب والشيوخ و36 ولاية وينتخب حكام الولايات، بما بشر في أول النتائج المعلنة بسقوط الحزب الحاكم.. "حزب الشعب الديمقراطي". ولنلاحظ المسميات، وننتظر نتائج التصويت الذي يمضي سلمياً حتى الآن. قد لا تدرك بعض القوى الوطنية الديمقراطية، في بلادنا الأفريقية أهمية هذا النضج المجتمعي الذي هو الأداة الأساسية للوحدة الوطنية والاستقرار، وأن قوى واعية ولو ذات مصالح.. مثل الحال في نيجيريا كانت أكثر حرصاً مبكراً من نظم سادت مصر وليبيا لبعض العقود.. وحين افتقدت ذلك قوى في ساحل العاج تعرضت لكل هذه المأساة.