لم تؤد حملة القصف الجوي المتواصلة على ليبيا منذ ثلاثة أسابيع إلى أي تغيير على الصعيد العسكري؛ ولكن للحصول على ذلك التغيير عبر مواصلة العملية، ألا يُخشى من تغيير اتجاه المهمة؟ ألا يُخشى من الانتقال، من دون الإعلان عن ذلك بشكل رسمي، من مفهوم "مسؤولية الحماية" إلى مفهوم "تغيير النظام"، وهو مفهوم مختلف تماماً؟ لقد تحققت الغاية التوافقية المرجوة من القرار 1973؛ حيث تم تجنب المذبحة التي أعلن العقيد معمر القذافي عن اعتزامه القيام بها في مدينة بنغازي. وبالتالي، فهل ينبغي مواصلة قصف الجنود الذين مازالوا موالين له؟ ألن تنتقل الجيوش التي تشارك في العملية العسكرية، في تلك الحالة، من حماية السكان المدنيين إلى وضع جديد حيث تصبح طرفاً في القتال إلى جانب الثوار الذين رفضوا خلال الأسبوع الماضي المخطط الذي اقترحه الاتحاد الأفريقي من أجل حل الأزمة في البلاد مشددين علي أن أي مبادرة يجب أن تتضمن رحيل القذافي عن السلطة؟ مما لا شك فيه أنه يمكن الانطلاق من المبدأ القائل بأنه طالما أن معمر القذافي موجود في سدة الحكم، فإن الشعب الليبي لن يكون في أمان، وإن رحيله فقط هو الذي سيؤدي إلى سلم أهلي حقيقي في ليبيا. كما يمكن أيضاً أن نذهب إلى أن التفاوت من حيث القوات ونقص المعدات العسكرية وتدريب الثوار ينبغي أن يكون سبباً كافياً لتقديم المساعدة لهم. غير أنه من الناحية العملية، بدأنا نشاهد تغيراً في اتجاه المهمة؛ إذ من الواضح أنها بدأت تتجه نحو هدف جديد متمثل في تغيير النظام من خلال تدخل عسكري، وهو هدف كان مستبعداً عندما صوت مجلس الأمن الدولي في السابع عشر من مارس الماضي لصالح قرار يجيز فرض منطقة حظر للطيران على ليبيا من أجل حماية المدنيين. إلا أنه من غير المؤكد أن الائتلاف الدولي الذي شُكل بموجب القرار 1973، سيستطيع متابعته لفترة طويلة. لقد حظي القرار 1973 بالإشادة لأنه كان يمثل تطبيقاً لمفهوم "مسؤولية الحماية" الجديد. وهذا المفهوم يختلف عن "التدخل"، الذي ليس في الحقيقة سوى سياسة قوة كلاسيكية متنكرة وراء مشاعر طيبة. ذلك أن "التدخل" هو دائماً في اتجاه وحيد: تدخل للقوى الكبيرة في شؤون الدول الضعيفة. ولهذا، يمكن القول إن الأمم المتحدة كانت تشدد دائماً على مبدأ السيادة، من أجل حماية تلك البلدان من شهية البلدان القوية. غير أنه من الضروري بالمقابل ألا تكون السيادة حقاً يُراد به باطل، وألا تشكل ضمانة للإفلات من العقاب بالنسبة للطغاة والمستبدين. فمن المطلوب حماية السكان الذين لا يملكون ما يدافعون به عن أنفسهم؛ ومسؤولية الحماية، التي صيغت في 2005 في الأمم المتحدة، تستجيب لهذه الضرورة، ضرورة إيجاد توازن بين احترام السيادة وحماية المدنيين؛ أي أن لا تترجم الحماية الضرورية للدول الضعيفة في مواجهة الدول القوية بالتخلي عن المدنيين وتركهم في مواجهة حكومات مستعدة لارتكاب مجازر. إن "مسؤولية الحماية" تستجيب لحالة طارئة، وذلك من أجل تجنب جرائم حرب، أو مذابح، أو جرائم ضد الإنسانية. وهي تقرَّر بشكل مشترك من قبل ممثلي المجتمع الدولي، عن طريق تصويت في مجلس الأمن الدولي. وبالتالي، فهي مختلفة كل الاختلاف عن حرب أحادية تشن بشكل غير مشروع، ولو ضد حاكم مستبد. وقد كان الأشخاص الذين يفضلون "التدخل" على "مسؤولية الحماية" يشيرون إلى أن روسيا أو الصين ستشكلان دائماً عائقاً أمام الاستناد إليها في مجلس الأمن الدولي. غير أن قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1973 جاء ليفند هذه المزاعم؛ حيث لم تكن بكين ولا موسكو ترغبان في أن تحمَّلا المسؤولية عن مجزرة كانت تبدو مؤكدة، من خلال تصويتهما ضد القرار. ثم إن الانتقال من "مسؤولية الحماية" إلى "التدخل" الكلاسيكي يعني بمعنى من المعاني نزع الشرعية عن الأولى؛ وسيكون من الصعب جداً في المستقبل الاستناد إليها إذا بدت كحيلة من أجل حمل الآخرين على قبول ما كانوا يرفضونه، أي تغيير نظام ما عن طريق الحرب. وعلاوة على ذلك، فإن شكوك البلدان المترددة في التصويت لصالح تدخل عسكري من أجل حماية مدنيين مهددين ستزداد وتتعزز. إن الرهان الحالي في ليبيا، هو حول مستقبل مفهوم "مسؤولية الحماية". والواقع أن القذافي بات جد معزول على الصعيد الدولي لدرجة أنه بات من شبه المؤكد أنه لن يبقى في السلطة لفترة طويلة. فهو سيسقط في نهاية المطاف. ولكن الثمن الذي سيتعين دفعه مقابل هذا السقوط سيكون أقل إن هو سقط ضحية عزلته منه بواسطة حل عسكري خارجي قد ينزع الشرعية عن مفهوم "مسؤولية الحماية". إن حملة القصف الجوي التي بدأت منذ ثلاثة أسابيع لليبيا لم تؤد إلى أي تغيير على الصعيد العسكري؛ ولكن للحصول على ذلك التغيير عبر مواصلة العملية، ألا يُخشى من تغيير اتجاه المهمة؟