زرت رومانيا للمرة الأولى في مطلع سنة 2002 للمشاركة في لقاء علمي ضم بعض كبار المتخصصين في الدراسات الإسلامية في جامعات أوروبا الشرقية. رافقني خلال الرحلة مستشرق روماني عجوز، بدا حانقاً على أوضاع بلاده، بعد عقد من سقوط أحد أكثر الأنظمة الديكتاتورية فظاعة. شرح لي الرجل كيف كانت الثورة الوردية الرائعة التي أسقطت "تشاوسيسكو" حلماً جميلاً عاش الرومانيون شهوراً في فرحته الغامرة، قبل أن ينقشع بعد تنظيم الانتخابات الديمقراطية التعددية الأولى في تاريخ البلاد، التي حملت إلى مقاليد السلطة قادة الأجهزة الأمنية السابقة ورجال المافيا الحزبية المتنفذين في العهد الشيوعي. قال مضيفي ببعض التهكم :"كنا متساوين في الفقر وفي انعدام الحرية، وأصبحنا أحراراً، لكن الفقر زاد وتفاقم التفاوت الاجتماعي، ولم نستفد من حريتنا، لأن أفق التغيير مغلق بطريقة شرعية". تحتاج الثورات العربية الراهنة إلى استكناه التجربة الرومانية، التي كانت في بعض تفصيلاتها قريبة من الانتفاضة الشعبية، التي أطاحت بنظام "تشاوسيسكو"، وفق تناغم واضح بين الشارع الثائر والمؤسسة العسكرية. وتبين هذه التجربة أن المرور من صفاء الثورة ورمزيتها الخصبة إلى ميكانيكية الديمقراطية وإجرائيتها التنظيمية هو المنعطف الحاسم الذي يحتاج لرصين الإعداد ويقظة التحضير. لا بد بدءاً من التنبيه إلى مخاطر المغالاة في الرهان على قدرة اللحظة الثورية على تحقيق كافة المطالب المجتمعية بصفة مطلقة وتلقائية، وكأن الحرية المنتزعة تفضي آلياً إلى الحل السحري للمشاكل والمعضلات المتراكمة. في تونس، شاهدنا كيف خرجت الجموع التي أطاحت بالنظام مطالبة بالحل الفوري لمشاكل البطالة والفقر والتهميش، في الوقت الذي لا يزال البناء السياسي المؤقت هشاً ومشغولًا بمواجهة مخلفات المرحلة السابقة. بل إن الشركات الخاصة والمؤسسات التجارية لم تسلم من الانتفاضة الشعبية، على الرغم من حساسية المناخ الاستثماري، في بلد يعتمد كلياً على الخدمات والسياحة. حدث الأمر نفسه في مصر، وإنْ اختلف المشهد في الجزئيات والتفصيلات. لا بد من الإقرار بطبيعة الحال أن مخاطر الثورة المضادة لا تزال قائمة، مما يقتضي من الجموع الثائرة الحفاظ على خط التعبئة للحيلولة دون النكوص للوضعية الأصلية، بيد أن تحميل اللحظة الانتقالية مطالب تعجيزية قد يجر إلى تبديد مكاسب التغيير وإغراق الثورات في الفوضى. ولذا كان من الضروري التركيز في اللحظة الانتقالية على ضبط دقيق لقواعد وآليات ونظم البناء المؤسسي للديمقراطيات العربية الناشئة. من هذا المنظور، يمكن أن نميز حالياً بين اتجاهين بارزين في الساحة العربية: - النموذج المغربي الذي بلورته مبادرة الملك "محمد السادس" للإصلاح السياسي والدستوري من خلال تشكيل قانونية سياسية، عهد إليها باقتراح دستور جديد للمملكة يطرح على مختلف الفاعلين والتنظيمات الحزبية والأهلية، بغية وضع أسس جديدة للتدبير السياسي تقوم على الفصل بين السلطات ومأسسة مجلس الحكومة وتعزيز اللامركزية الجهوية. ويبدو أن بلدان عربية أخرى مثل الجزائر والأردن والبحرين، قد تسلك هذا الاتجاه لحسم الأزمات السياسية القائمة. - المسلك التونسي – المصري الذي يقوم على إعادة بناء النظام السياسي والدستوري عبر تسيير المرحلة الانتقالية المتولدة عن الثورة الشعبية. ولئن اختلف المساران في بعض السمات الأساسية (كدور المؤسسة العسكرية )، إلا أنهما ينفقان في ثلاثة محددات أساسية هي: التصفية القضائية لتركة النظام المنهار بما فيها الهياكل السياسية والأمنية وملاحقة رموز السلطة، تحرير الفضاء التنظيمي والإعلامي بما نتج عنه تغير الموازين السياسية الداخلية، ورسم آليات الحكم الانتقالي سواء من خلال مجلس تأسيسي منتخب (تونس) أو من خلال بنية دستورية مؤقتة لضبط الاستحقاقات الانتخابية القادمة (مصر). وإذا كان "أوباما" قد طالب الثورات العربية باعتماد النموذج "البرازيلي – التشيلي" الذي أفضى الى حالة ديمقراطية مستقرة، إلا أن التجربة اللاتينية الشبيهة من حيث السياق والخلفيات بالوضع العربي تستدعي بعض الملاحظات التدقيقية. فمن المعروف أن الديكتاتوريات العسكرية انهارت في بلدان أميركا الجنوبية في ثمانينيات القرن الماضي وتلتها أنظمة منتخبة في جل هذه الدول، إلا أن الديمقراطيات الناشئة المدعومة غربياً قد أخفقت في إصلاح الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتردية وانتهت إلى الانهيار بضغط الشارع الثائر، مخلفة تجارب جديدة من الأنظمة الشعبوية التي لا تزال في طور المخاض وبعضها حقق بالفعل مكاسب واعدة كما هو شأن البرازيل. فالمطلوب اليوم هو المراجعة النقدية الموضوعية لتجارب الانتقال الديمقراطي الأولى في أميركا اللاتينية لمعرفة أسباب فشلها،التي يلخصها "كلوديو فنتس" في عناصر أربعة: - هشاشة الإعداد الدستوري والقانوني، مما يفسر ظاهرة الاضطراب المؤسسي في غياب الإجماع السياسي الضروري على قواعد الرهان السياسي. ولذا ندرك أن أميركا اللاتينية كانت أكثر مناطق العالم اضطراباً دستورياً خلال السنوات العشرين الأخيرة. ووطأة تركة الحقبة الاستثنائية التي لم يتم حسمها، فشكلت هاجساً قاراً للنظم الجديدة وعامل تأجيج الفتنة وعدم الاستقرار. احتفاظ المؤسسة العسكرية بدور محوري في الحقل السياسي، على الرغم من الواجهة الديمقراطية المعلنة. الفشل في السياسات الاجتماعية الناتجة عن الخيارات الاقتصادية والتنموية الخاطئة، بحيث بدت الديمقراطيات الناشئة عاجزة عن تحقيق تطلعات الناس. ومن الجلي أن الإشكالات ذاتها مطروحة كتحديات عصية على الديمقراطيات العربية الوليدة، وفي مقدمتها دور المؤسسة العسكرية في المعادلة الانتقالية وما بعدها، وطريقة التعامل مع تركة العهود الاستبدادية المنهارة. وإذا كان الجيش التونسي أظهر ميلاً واضحاً للحياد في الرهان السياسي، الذي لم يكن طرفاً فيه منذ نشأة الجمهورية سنة 1958، فإن الجيش المصري الذي حكم البلاد منذ مطلع الخمسينيات لا يزال طرفاً فاعلًا في الحالة السياسية، ومن العصي خروجه منها في المستقبل المنظور. كما أن البلدين سلكا النهج نفسه في ملاحقة رموز النظام المنهار، مع ما يفضي إليه هذا الخيار من تحديات جسيمة سيكون لها دون شك كبير الأثر على النموذج الديمقراطي المرتقب.