إذا كان جزء كبير مما بات يعرف بـ"الربيع العربي" مايزال مشروعاً قيد التشكل، فإن الأمر المؤكد هو أن دينامية جديدة قد أُطلقت عبر المنطقة، دينامية سيكون لها تأثير عميق خلال المقبل من الأعوام. ولعل أهم ما ينبغي الاعتراف به هو حقيقة أن التطورات التي حدثت انطلاقاً من تونس إنما تخلّقت جميعها داخلياً، مفندةً بذلك أساطير المحافظين الجدد وأمثالهم ممن كانوا يقولون بأن التغيير لا يمكن أن يأتي إلى العرب إلا إذا كان مدفوعاً بضغط خارجي (أي غربي). فقد كان هذا هو الرأي الذي تبناه بيرنارد لويس الذي كتب ذات يوم يقول إن التغيير لم يكن يحدث في "الشرق الأوسط الراكد" في الماضي إلا حينما كان "يبدأه حكام أوروبيون سابقون". فكرة كررتها مؤخراً دانييل بليتكا من معهد المشروع الأميركي (أميركان إنتربرايز إنستيتيوت) عندما جادلت بأنه إذا كان يراد للتغيير أن يأتي إلى العالم العربي المعاصر، فـ"على الغرب أن يمسك الباب ويحافظ عليه مفتوحاً" ويمارس "الضغط الخارجي" المطلوب. وبالنسبة لبعض أعضاء إدارة بوش الابن، كان ذلك هو الدور المفترض لحرب العراق أن تلعبه. فمثلما جرى تصوره، لم يكن الغزو الذي تزعمته الولايات المتحدة سيطيح بالدكتاتور وسيفضي إلى نظام ديمقراطي جديد فحسب، وإنما كان سيصدم أيضاً المنطقة ويهزها ويخلخلها. وانطلاقاً من الفوضى التي تتلو ذلك، تصور هؤلاء أن "نظاماً جديداً" سيولد، وهي رؤية دعمها بقوة توماس فريدمان الذي طالما وصف العالم العربي بأنه "منطقة متحجرة"، والذي هنأ إدارة بوش لاستعمالها الحرب لفتح "كوة في حائط السلطوية العربية". وقد كانت هذه العقلية ذاتها هي التي دفعت وزير الدفاع حينها، رامسفيلد، ومستشارة الأمن القومي رايس، إلى التحدث بشاعرية عن "رحيل الأنظمة القديمة" في مرحلة ما بعد الحرب. كما توقع المحافظون الجدد أن الضربات العقابية التي وجهتها إسرائيل إلى قطاع غزة ولبنان ستلعب دوراً في تحول المنطقة، مما دفع رايس إلى وصف الدمار الفظيع الذي خلفه الهجوم الإسرائيلي على لبنان في عام 2006 بـ"الآلام المرافقة لولادة شرق أوسط جديد". هذه الآراء، بطبيعة الحال، لم تكن عديمة الحساسية إلى حد كبير فحسب، بل كانت خاطئة جملة وتفصيلاً. ذلك أنه خلافاً لتوقعات إدارة بوش المتأثرة بالأيديولوجيا، لم يؤد غزو العراق واحتلاله وحربا إسرائيل على جاريها، إلى الديمقراطية أو حتى إلى تقدم تدريجي. وبدلاً من ذلك، فإن ما خلفته كل واحدة من تينك الحربين كان هو الموت والدمار، وشعور بالمرارة والمعاناة، وانقسام طائفي عميق، إضافة إلى انتشار للتطرف وزيادة التوتر الإقليمي. فأصبحت الشعوب العربية تغلي، وتراجعت الحكومات العربية التي كانت تقوم حتى بخطوات متواضعة نحو التغيير... وبشكل عام، أضحت المنطقة أكثر قمعاً وأقل حرية. وبالمقابل، يمكن القول إن الحركات التي بدأت في تونس وامتدت إلى مصر وغيرها، جديرة أكثر بصفة "الآلام المرافقة لولادة" شرق أوسط جديد. وذلك لأنها ملهمة وخلقت شعوراً جديداً بالفخر بين الجماهير التي لطالما شعرت بالضعف والهوان والعجز لتقوم بالتغيير، ومعدية؛ حيث يتم استنساخ تكتيكات وشعارات وتكييفها مع البيئة المحلية، وذلك رغم الخصائص التي تميز كل بلد عن الآخر. كما أنها كانت عربية خالصة وخلقت نفسها بنفسها، حيث لم يساهم أي من أشباه "لورانس" أو"رامسفيلد" في هذه الانتفاضات التي اختارت لنفسها دور رسم ملامح المستقبل العربي. ومما لا شك فيه أن الظروف تختلف من مكان إلى آخر؛ فمصر ليست تونس، كما لا يمكن النظر إلى اليمن أو ليبيا أو سوريا على أنها بلدان متشابهة. صحيح أن ثمة بعض الخصائص المشتركة، لكن العوامل التي ألهمت هذه الثورات وشجعت عليها في كل حالة كانت خاصة بكل بلد على حدة. غير أنه من المستحيل تجاهل حقيقة أن ما بدأ في تونس وتحقق في مصر، قد أشعل شعوراً جديداً بقوة الشعب وإمكانية إحداث التغيير عبر العالم العربي. ذلك أنه إذ انتقل الشباب إلى الاحتجاج السلمي وقوبلوا بالعنف، فإن ذلك لم يزدهم إلا إصراراً وتصميماً على المطالبة بالتغيير. القصة لم تنته بالطبع، فحركتا مصر وتونس لم تنتهيا بعد، هذا في وقت يجري فيه إحباط الحركات المطالبة بالتغيير في اليمن وسوريا وليبيا بالعناد والحسابات الخاطئة. وفي ليبيا حدث انحراف في المسار، حيث غيَّر دورُ "الناتو" مسار هذه الثورة بشكل جوهري وحولها إلى شيء مختلف تماماً عن "الربيع العربي". غير أنه حتى في هذه الحالة غير المستقرة وغير الأكيدة، هناك روح جديدة ظهرت في المنطقة؛ ذلك أنه حتى في البلدان التي لا توجد مطالبة بالتغيير فيها، أو حيث الأغلبيات راضية عن ظروفها الحالية، يمكن الإحساس بدينامية هذه الثورة التي تطال المنطقة: لقد تشجع العرب وبدأوا يشعرون بإحساس جديد بالفخر، والحكومات بدأت تصغي إلى مواطنيها أكثر. ومما لا شك فيه أن الطريق إلى الأمام محفوف بالعراقيل وستكون ثمة انتكاسات، لكن الرحلة ستستمر. وعندما يُكتب تاريخ هذه الفترة المهمة، فإن ما سيدون هو أن الحركات التي أطلقت هذه الدينامية وواصلتها حتى النهاية، كان وراءها العرب الذين خطوا بأنفسهم خطوات نحو خلق مستقبلهم الخاص.