لكل مرحلة لغتها ومصطلحاتها، ولكل حقبة شعاراتها، وكل تيار سياسي له لافتاته السياسية، من عايش المرحلة الناصرية واليسار العربي ومد القومية العربية وترعرع في كنف ضوضاء "البعث" بشقيه، وعاصر الأيديولوجيات الدينية، لا بد أنه قد مر كثيراً على لغة تلك الحقب المختلفة المتزامنة. فمن منا لا يذكر "الاتحاد الاشتراكي" و"الوحدة العربية" و"الاشتراكية العربية" و"البعث طريقنا" والبروليتاريا والطبقية والبرجوازية والطبقة الوسطى والعليا والدنيا، ومن منا لم تبهره شعارات الدين السياسي في صغره: الإسلام هو الحل -ودستورنا قرآننا- والشريعة مطلبنا"، وهكذا. لكن ثمة إجماع على أن "الثورات العربية" الحالية قد أسقطت الأيديولوجيا والحلول الجاهزة، لعلنا لاحظنا أن المطالب عامة: الحرية والكرامة والديمقراطية ومحاربة الفساد والشفافية وحقوق الإنسان. كلها مطالب قِيمية، ولم تعد هناك شعارات الحلول الجاهزة، والأيديولوجيات المعلّبة يميناً ويساراً وديناً وعلمانية، مطالب مدنية أساسية ترى في البطش والديكتاتورية عائقاً أمام تحقيقها، ولذلك "طالبت بإسقاط النظام" في بلدان تترادف كلمة النظام فيها مع كلمة التعذيب والإهانة والنهب والبطش واللطش. وما من سبيل لتحقيق الحدود الدنيا من تلك المطالب دون "إسقاط النظام". وقد سقط النظام في تونس ومصر، وقد يسقط في أماكن أخرى، لكن البديل لا يزال يتلمس طريقه نحو الغد، ولايزال المستقبل يكتنفه الكثير من الغموض. ولكن، مثلما "لكل زمان دولة ورجال"، فإن لكل حقبة شعاراتها ولغتها وبلطجيتها وشبّيحتها! ففي مصر خرج "مجهولون" يقتلون ويبطشون بالناس المتظاهرين وسموهم "بلطجية"، ورادفهم "البلاطجة" في اليمن. وأصل الكلمتين واحد، فالبلطجي كلمة تركية تعني من يرافق الجيوش لقطع الأشجار وتزويدها بالأخشاب مستعملاً في ذلك "البلطة" التي تعني فأساً لعله اشتق من شجر البلوط الباسق الوفير الخشب. والبلطي في لهجة أهل الخليج والعراق نوع من أنواع السمك، لعل أصلها فارسي مثل معظم الكلمات والأسماء المرتبطة بالأسماك والملاحة البحرية في لغة أهل الخليج. وقد يكون جمع البلطجي "البلاطجة" في اليمن قياساً على "الغساسنة" والمناذرة كجمع الجمع، بدلًا من الغسانيين والمنذريين. وفي سوريا، توارت كلمات المد الثوري و"البعث طريقنا" إلى مطالب بالحرية وسوريا وبس، في مقابل شعارات تلتزم بسوريا وبشار وبس، مع ملاحظة أن لفظ الجلالة -الله- يسبق الشعارين في الحالتين. ومن تصدى للمتظاهرين في سوريا ليسوا بلطجية ولا بلاطجة، لكنهم "الشبّيحة"، وهي جمع "شبّيح"، وقد وجدت لها في اللغة العربية أصل يقارب أعمال القتل والسحل فشبح الجلد يعني مدّه بين وَتَدين حتى يجف بعد "دبغه"، و"دبغه" في لهجة أهل الخليج -والكويت خاصة- تعني ضربه ضرباً مبرّحاً، وشبح تعني أيضاً "صَلَبَ"، ولعل العلاقة بين الدبغ والصلب والتشبيح، واضحة لا تحتاج إلى تفسير. وفي لهجة بعض القبائل في الجزيرة -مثل العجمان وبني مرة وقبائل في اليمن وليبيا- "يشبح" تعني ينظر، وقد تطورت بمعناها هذا من كلمة الشبح أو الخيال وظهور الأشياء وتبيانها. المهم أنه تعددت التسميات والبلطجة واحدة، والقمع واحد، والقتل واحد، والتشبيح واحد. ولا يمكن أن يغفل المتابع "لثوراتنا" العربية مصطلحات "التنحي والتنازل وتسليم السلطة"، والتي يفترض أنها متطابقة المعنى في الظروف العادية، ولكنها ليست كذلك في ثوراتنا بعد تدخل البلاطجة والشبيحة، فعنصر البلطجة يؤخر تسليم السلطة، وتمادي البلاطجة يؤدي إلى رفض التنازل عن السلطة، والشبّيحة يضيعون فرصة التنحي، وانتشار البلطجة، يرتبط بالدم، والدم يقود إلى مزيد من الدم، فينتفي التنحي والتنازل وتسليم السلطة ويسود البلاطجة فتسيل الدماء بغزارة... القذافي يختزل شرح لغة المرحلة أعلاه! د.سعد بن طفلة العجمي