الإعلام الحقيقي في أي مجتمع مرآة صادقة لنشر كل ما يخدم الواقع نقداً أو إشادة، واختبار هذه المصداقية يكون أوضح في الأزمات أكثر منها في "الراحات". اليوم والأحداث المتلاحقة في العالم العربي لا تعطي فرصة للمتابع أن يقول كل شيء في لحظات التغيير الأقرب إلى القفزات منها إلى الخطوات المتأنية. فالمهتم يبحث على الأقل عن الخبر الصادق أو المعلومة المجردة والصحيحة، حتى لو تأخر التحليل عن اللحاق بقطار الأخبار العاجلة. لا يمكن لأي مرآة طبيعية أن تظهر صورة الشخص الواقف أمامها إلا ذاته، إلا أن للمرآة أنواعاً يمكن أن تشوه صورة المعني لو جرب الوقوف أمام مرآة مقعرة أو محدبة، فيرى الإنسان نفسه في صورة لا يحب أن يظهر بها أمام نفسه فضلاً عن نظرة الآخرين إليه. فالإعلام العربي اليوم بشكل خاص، لم يستطع في أزمته الراهنة وفي ضوء التغيرات المتسارعة أن يمثل صوتاً لا أقول صادقاً، بل نوعاً ما محايداً للبعد عن إصدار الأحكام الآنية على الأحداث ومع تعدد وسائل الإعلام التقليدية والإلكترونية بكل تفاصيلها والتي لا تجعل للفرد فرصة للتعبير عن رأيه، تصبح مهمة الإعلام في هذه الأجهزة المتطورة على الدوام أصعب من زمن الحروف التي كانت تقبع عبر الحديد والنحاس، واليوم تسيل الكلمات كالوديان الهادرة من مصباتها العالية عبر السماوات المفتوحة على الجميع، حتى وإن زرع البعض عين الرقيب في ثناياها، فإن المحظور لم يعد قائماً، وإن كان السعي لمنعه لا زال دائباً في بعض مجتمعات العالم الثالث. إن صوت الإعلام وصوره لا تعبر غالباً عن "العين الثالثة" التي تقي قائد سفينة المجتمع الوقوع في أخطاء لا تضر المركبة وحدها، بل جميع الركاب، وهذا هو الدور الغائب للإعلام في وقت الأزمات. إن وجود إعلام رسمي يقوم بتزيين مرآته على مدار الساعة لا يغني عن إعلام آخر مواز، وليس شرطاً أن يكون معارضاً بالمعنى السياسي، بل يسلط الضوء على الجانب الذي يساعد في التنمية المدنية والمؤسسية وترتيب البيت الداخلي وخاصة عندما تتعدى الأمور عنق الزجاجة وتشتد حدة الأزمات في بعض أروقة المجتمعات. فالإعلام غير المقعر ولا المحدب، أو غير المشوه بأي شكل، لاعب رئيسي في نقل الصورة القريبة من الواقع وليست بعيدة حتى لا يحدث الصدام المادي أو المعنوي بين القائم على شؤون المجتمع والمستفيد منه، فقط لأن الأبعاد في تلك المرآة لم تكن حقيقية، بل افتراضية، فالإعلام في هذه الصورة يبعد الحلول عن الوصول إلى الواقع المعاش فتتأزم المشكلات بدل الانفراج. فبنظرة فاحصة من العين الثالثة والمفترض أن تكون الأمينة على تقريب المسافات وإزالة المعوقات، كفيلة بلعب دور بناء، حتى في أشد الأوقات حدة، فهل يعي القائمون على الشأن الإعلامي في العالم العربي، بأن إعلام العقود السالفة ورسالتها لم تغن عن وقوع الأحداث الدامية في هذا العصر الذي تفتحت فيه العقول قبل العيون على كافة مصادر المعلومات العلنية منها والسرية؟ والدليل قادم من "العين الثالثة" في الغرب لتثقب "العين الثالثة" لدى العالم الثالث.