ربما تكون الانتفاضات الشعبية في بعض الدول العربية حالياً، قد صرفت الأنظار نوعاً ما عن باكستان، لكن عدم الاهتمام الحالي بباكستان لن يدوم طويلاً كما يرى الساسة والمحللون الغربيون الذين يفند "أساطيرهم" حول باكستان، أناتول ليفن، مؤلف كتاب "باكستان... الدولة العصية" الذي نعرضه هنا. فهل صحيح أن باكستان ليست سوى دولة أصابتها لعنة الأسلحة النووية التي يمكن أن تقع بأيدي الإرهابيين في أي وقت، بكل ما يمكن أن يسفر عن ذلك من دمار؟ وهل صحيح أنها مجرد حاضنة لمقاتلي تنظيم "القاعدة" وحركة "طالبان"؟ وأنها تواجه مشكلة عدم استقرار سياسي مزمنة؟ هكذا تبدو باكستان في نظر الكثير من الغربيين الذين يعتبرونها أخطر دول العالم. وليست حصيلة النتائج التي توصل إليها المؤلف في كتابه هذا، ثمرة جلوس منعّم لأحد الأكاديميين الباحثين في قاعات المكتبات الحضرية الأنيقة المرفهة. فقد انتزعت مادة الكتاب من رصيد خبرة صحفية طويلة تصل الى عشرين عاماً من العمل في أفغانستان وباكستان، فضلاً عن المعرفة الأكاديمية العميقة بالمنطقة وشعوبها وتاريخها وثقافاتها. فبعد عمله مراسلاً صحفياً، التحق المؤلف بـ"كينجز كوليدج" بلندن أستاذاً لدراسات الإرهاب. وللحصول على المعلومات التي قام بتحليلها في هذا الكتاب تحديداً، وجد نفسه في ثكنة من ثكنات الجيش الباكستاني في كويتا، وتارة أخرى في منطقة خاضعة لـ"طالبان" في الشمال الغربي، وثالثة في البنجاب... وهكذا. وخلال هذه الرحلة تحدث واستمع المؤلف إلى كل من يجب الجلوس إليه: فلاحين وضباط استخبارات ورجال دين وقضاة وسياسيين وأطباء وجنوداً وجهاديين. والقصد هو دحض مقولات "المحافظين الجدد" التي تروج لأن باكستان دولة يمزقها الصراع بين قوى الحداثة السياسية والقوى التقليدية المتشددة دينياً. يبدد المؤلف هذه الأسطورة وينفي أن تكون باكستان دولة على شفا هاوية الانهيار، كما صورتها دائماً وكالات الاستخبارات والصحفيون ومؤسسات البحث الغربية. وإذا كان الجزء الأعظم من هذا الخوف ناشئ من حيازة إسلام أباد للسلاح النووي ومن احتمال سقوطه بأيدي الإرهابيين والمتطرفين، فمن رأي الكاتب أن هذا الخوف ليس مبرراً؛ فحقائق الأرض تؤكد أن المتطرفين الإسلاميين أبعد من أن يختطفوا باكستان حتى الآن. وعلى عكس ما يتردد عن ضعف الاستقرار السياسي لباكستان، إلى حد يجعلها أقرب إلى قائمة الدول الفاشلة، فإن الصحيح من وجهة نظر الكاتب أن مصدر الضعف الرئيسي لتيار الإسلام السياسي الأصولي الذي قويت شوكته في باكستان خلال القرن الحالي، يكمن في قوته المؤقتة المرحلية هذه. ويمضي الكاتب إلى القول إن الغرب كثيراً ما يصل إلى استنتاجات خاطئة في قراءته للواقع الباكستاني. ومما لا شك فيه أن المؤسسات الديمقراطية التي فرضها البريطانيون على باكستان -قبل إعلان استقلالها- لاسيما نمط الديمقراطية النيابية البرلمانية وسيادة القانون، قد أثبتت فشلها التام هناك. لكن لا يعني ذلك أن باكستان نفسها يمكن أن توصف كدولة فاشلة على غرار الصومال. فالصحيح أن نمط الحكم الديمقراطي قد فرضه الغرب على باكستان، لكن لم يحدث أن تجذّر في التربة المحلية. كما أن القوى الرئيسية اليوم هناك، ظلت كما هي منذ قديم الزمان. وهي أساساً قوة العائلة وقوة العشيرة والقبيلة. فالمجتمع الباكستاني غارق في التقليدية والعشائرية، إلى حد يجعل من قوى مثل "طالبان" و"القاعدة"، مجرد تجليات لذات القيم والمشاعر التقليدية البعيدة الجذور. ولا يبدو قادة "طالبان" الآن سوى نسخ عصرية لقادة الباتان السابقين؛ من أمثال الملا هادا الذي سبب صداعاً لا ينسى لقوة مالكاند الميدانية التي كان يقودها وينستون تشرشل ضمن قوات الجبهة الشمالية الغربية في نهايات القرن التاسع عشر. إن هذا التحليل يشير إلى مفارقة في غاية الأهمية عند دراسة السياسات الباكستانية. فمن جانب يلزم الاعتراف بأن البنية الاجتماعية المحافظة في هذا البلد، قادرة على إحباط أي تقدم نحو الديمقراطية الليبرالية أو تطوير دولة حديثة بمعايير عصرية. ولمناقشة هذه المفارقة، أفرد المؤلف فصلاً كاملاً ناقش فيه تركيب الحياة السياسية الباكستانية، وأظهر من خلاله حقيقة عجز الساسة الباكستانيين عن التحرر من التزاماتهم العائلية والعشائرية عقب توليهم مناصب قيادية في جهاز الدولة. ولا ريب أن هذا النظام السياسي القائم على التقاليد العشائرية والعائلية يمثل عقبة رئيسية أمام التقدم نحو نمط الديمقراطية الليبرالية الحديثة. بيد أن هذه التقاليد الاجتماعية المحافظة نفسها هي القادرة دائماً على الوقوف في وجه أي حركات أيديولوجية، علمانية اشتراكية، أم ديكتاتورية عسكرية، أم متطرفة إسلامية. وهذا ما يدفع المؤلف إلى طمأنة المحللين على مستقبل باكستان، في الوقت الذي يدعوهم فيه إلى تصحيح مفاهيمهم عن هذه الدولة المعقدة الواقع وذات التركيب السياسي الاجتماعي الخاص، الذي لا يقبل التجريد والتعميمات النظرية التي لا تأخذ بالواقع الفعلي. عبدالجبار عبدالله الكتاب: باكستان... الدولة العصية المؤلف: أناتول ليفن الناشر: دار "ببلك أفيرس" تاريخ النشر: 2011