تمضي الأغلبية الجمهورية المحافظة في الكونجرس قدماً في تحقيق عزمها على تدمير التراث الأميركي -الذي يعرف في الدوائر الدينية على الأقل بأنه "العدالة الاجتماعية"- محاطاً بجهل غالبية الأميركيين بوجود مفهوم كهذا، وبأن أكثر من حموا هذه العدالة الاجتماعية وذادوا عنها خلال عقدي أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، هم الذين كانوا يسمون حينها بالجمهوريين التقدميين. ولم ينجح المحافظون الجدد في القضاء على ذلك الفصيل التقدمي داخل الحركة فحسب، بل تعمدوا محو ذكرى وجود حركة كهذه أصلاً، كانت قد حققت إنجازات باهرة بقيادة كل من روزفلت وهوفر وإيزنهاور وويلكي وديوي، بل حتى بمشاركة الرئيس الأسبق نيكسون الذي صورته المخيلة الشعبية كـ"عفريت" بسبب تركته السيئة المتعلقة بحرب فيتنام. فالذي حل محل ذلك التراث التقدمي للجمهوريين اليوم، هو أيديولوجيا تقوم على المصالح والامتيازات الطبقية والفردية التي لا تراعي أي قيمة من قيم المسؤولية الاجتماعية. وليست المرة الأولى التي تشهد فيها الولايات المتحدة نموذجاً أيديولوجياً كهذا، بل إن تكراره أصبح من محفوظات التاريخ الأميركي. وعلى أية حال فقد تمثلت هذه الأيديولوجية في شكلها العصري الحديث، في هجمة "محافظة" على الحقوق العامة التي نادى بها الأوروبيون في القرن التاسع عشر، وخاصة من قبل القيادات المحافظة من أمثال حاكم بروسيا، أوتو فون بسمارك (1883-1883)، والبابا ليو الثامن عشر في خطابه الكنسي الداخلي الذي وجهه عام 1891 والذي عبر فيه عن عزم الكنيسة على تحرير العامة مما وصفه باستعباد الأغنياء للفقراء. وطالب ذلك الخطاب البابوي بمنح العاملين حقاً كاملاً في تأسيس اتحاداتهم ونقاباتهم المهنية، وكفالة الحد الأدنى للأجور، إضافة إلى منحهم حق التفاوض الجماعي من أجل حقوقهم، فضلاً عن حيازة الملكية الخاصة. ورغم المعارضة القوية التي ووجهت بها إجراءات بسمارك، فقد منح العاملين حق الإجازة المرضية، وفرض التأمين على العجزة وفي حالة التعرض للحوادث، إضافة إلى وضع حد لعمالة النساء والأطفال، وتحديد ساعات العمل للعاملين. أما اليوم فالحجة الرئيسية التي يقوم عليها قهر الفقراء الأميركيين هي تضخم الدين القومي وعجز الموازنة العامة. وبالطبع كان ممكناً خفض الدين القومي وعجز الموازنة العامة بإجراءات ووسائل أخرى؛ كرفع النسبة الضريبية المفروضة على الأغنياء، وإرغام الشركات والاستثمارات على تحمل جزء من العبء الضريبي القومي. غير أن هذه الإجراءات تواجه بمعارضة قوية من قبل الحزب الجمهوري -وأطراف من الحزب الديمقراطي- وينظر إليها من قبل كليهما على أنها نوع من الانتحار السياسي. غير أن هناك طريقة أخرى لخفض الدين القومي أو حتى تصفيته تماماً، لكنها ستعد مستحيلة بقوة الجبن السياسي وحدها. وتتلخص هذه الطريقة في وضع حد للحرب المكلفة التي تشنها الولايات المتحدة على "الإرهاب"، مع العلم بأن تكلفتها تبلغ تريليونات الدولارات، إضافة إلى إلغاء تكلفة الهيمنة الأميركية على العالم، وهي كثيراً ما عدت ذات أهمية استراتيجية في الشؤون الدولية. فهذه الأخيرة وحدها تستنزف موارد مالية وعسكرية وسياسية هائلة جراء التزامات تزعمها واشنطن لنفسها، رغم تزايد مخاطرها على الأمن القومي الأميركي وضررها الفادح على الخزانة الفيدرالية. والحقيقة أن لا عقلانية جهود الهيمنة على العالم بأسره، بدأت تشعر بها حتى واشنطن نفسها. فها هو أوباما بدأ يدير ظهره لأي التزامات دولية جديدة لها صلة بجهود الهيمنة الأميركية على العالم. وكان أوباما قد تولى منصبه الرئاسي بخبرة تكاد لا تذكر في الشؤون الدولية، ما جعله يعتمد على مستشارين أقنعوه بأن الحرب الأفغانية هي "الحرب الصحيحة" التي يتعين على إدارته الاستمرار في خوضها، كما يجب عليها وضع أسلحة باكستان النووية تحت سيطرة واشنطن المباشرة. فقد تراجع أوباما عن فكرة التدخل العسكري المباشر في ليبيا، رغم إصراره السابق على استعداد إدارته للتدخل العسكري هناك، ليس لمجرد وجود تهديد للمصالح الأميركية وحدها، وإنما حين ترى الإدارة أن القيم الأميركية قد هددت. وهناك من فسر هذا التراجع الرئاسي في دوائر الرأي العام العالمي، وكذلك في أوساط المحافظين الجدد في واشنطن، كخطوة من أوباما باتجاه "الانعزالية" والنأي عن التدخل في شؤون الدول الخارجية. وبهذه المناسبة فقد كتب كل من وزيري الخارجية الأسبقين، بيكر وكيسنجر مقالاً مشتركاً (نشرته "الاتحاد") وصفا فيه حصر خيارات السياسات الخارجية بين المثالية والواقعية بالخيار الزائف، وقالا إنه لا ينبغي لأميركا التدخل في شؤون الدول الأخرى إلا في حال تهديد مصالحها القومية، وليس لمجرد دوافع التخفيف من المعاناة الإنسانية لشعب ما من شعوب العالم. والحقيقة أن الحروب أنهكت أميركا وأضرت بصورتها عالمياً، بينما يمكن أن نصف العجز القومي بأنه ذو طبيعة أخلاقية في الأساس؛ فالأميركيون ينفقون مقابله حرماناً اقتصادياً، وصحة معتلة، وانعدام أمن وطمأنينة عامة، إضافة إلى ما يواجهه المواطنون الأميركيون من ذل ومهانة جراء البطالة وتقلص القدرة الشرائية. إنها ضريبة الحرب وفاتورة سياسات الهيمنة التي تقوم عليها. ويليام فاف كاتب ومحلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع "تريبيون ميديا سيرفيزس"