في مؤشّر إلى التطوّر الذي يشهده البحث العلمي في جامعات الدولة، حصل باحثان مواطنان في جامعتي "الإمارات" و"الشارقة"، مؤخراً، على الميدالية الذهبية في "معرض جنيف الدولي للاختراعات"، حول مشروع مشترك عن اختراع "الكتاب الناطق" عن طريق اللمس باليد. أهمية هذه الجائزة تكمن ليس في كونها تعكس بوضوح كيف أن مستوى التعليم العالي والبحث العلمي في الدولة أصبح يرقى إلى المعايير العالمية فحسب، وإنما لأنها جاءت في ظل منافسة عالمية شارك فيها باحثون من مؤسسات علمية عريقة في دول متقدّمة أيضاً. "الكتاب الناطق"، الذي حاز "جائزة الابتكار"، كان محطّ إعجاب لجنة التحكيم والزائرين في "معرض الاختراعات العالمي" في جنيف، لأنه يعتمد على تقنية جديدة تجمع بين استعمال تردّدات موجات بنطاق الراديو مع تقنية حساسية اللمس عن طريق الإسقاط الكهربائي التكثيفيّ، ويعدّ فتحاً جديداً أمام ذوي الاحتياجات الخاصة من فاقدي البصر وغيرهم الذين سيستفيدون منه بشكل حيويّ ومباشر. هذه الجائزة تثبت بوضوح أن الباحثين المواطنين في جامعات الإمارات المختلفة يمتلكون مهارات وقدرات عالمية، تتيح لهم الابتكار والاختراع في مختلف المجالات، وهذا أمر ينطوي على جانب كبير من الأهمية، لأنه يتماشى مع توجّهات الدولة نحو بناء مجتمع الابتكار والإبداع، من خلال استثمارها في البحث العلمي، وتوفير كافة الموارد اللازمة له كي يقوم بدوره المنوط به في خدمة أهدافها التنمويّة. لقد أصبح البحث العلمي القائم على الابتكار والإبداع يلعب دوراً مهماً في العملية التنمويّة في العالم أجمع، وبات تقسيم العالم إلى دول متقدّمة ونامية يعتمد في الأساس على ما يقدّمه البحث العلمي من ابتكارات واختراعات حديثة تسهم في تحقيق أهداف التنمية، خاصة في المجالات الصناعية والتكنولوجية، وهذا يفسّر لماذا تخصص الدول المتقدمة جانباً كبيراً من ميزانياتها لتطوير البحوث العلمية، ولتنفيذ براءات الاختراع التي تنتجها هذه البحوث. وهذا ما تدركه الجهات المعنية في الدولة، والتي تحرص على توفير الموارد والإمكانات كافة للارتقاء بالبحث العلمي داخل الجامعات، حتى أصبحت دولة الإمارات من أهم دول المنطقة في الحصول على براءات الابتكار والاختراع، فالتقرير السنوي لـ "المنظمة العالمية للملكية الفكرية" (الوايبو) لعام ?2010 صنّفها بأنها من أوائل الدول العربية في مجال براءات الاختراعات الفكرية والعلمية والتكنولوجية، حيث حقّقت ?29 براءة اختراع بزيادة قدرها براءة اختراع واحدة عن عام ?2009. لا شك في أن هناك جهوداً مهمّة تبذلها الدولة لتشجيع الابتكار والإبداع، لكن الأمر يتطلّب تبنّي استراتيجية شاملة تعمل على إيجاد البيئة المناسبة لتطوير البحث العلمي، وتنفيذ براءات الاختراع والابتكار، وهذا لن يتحقّق إلا من خلال حزمة متكاملة من الإجراءات، في مقدّمتها تطوير مؤسسات البحث العلمي لجعلها حاضنة حقيقية للمواهب العلمية، وإيجاد تعاون وثيق ما بين القطاعين الحكومي والخاص، وزيادة الإنفاق على البحث والتطوير، وإنشاء مزيد من مراكز البحوث التكنولوجية، ودعم القائم منها، وتسويق مخرجاتها من نتائج البحث حتى تجد طريقها إلى التنفيذ العلمي، وتفعيل التعاون بين الجامعات ومراكز الأبحاث التقنية والمؤسسات الصناعية، بل وتشجيع المؤسسات الصناعية على إنشاء وحدات خاصة للبحث فيها تقوم بالاستفادة من براءات الاختراع التي يمكن أن تطوّر أداءها الإنتاجي، كل هذا، لا شك، سيقود إلى بناء مجتمع الابتكار والإبداع الذي يقود بدوره الأهداف التنمويّة للدولة في مختلف القطاعات إلى آفاق أرحب وأوسع. ـــــــــــــــــــــــــــــــ عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.