ليس الناس وحدهم يريدون تغييرها، بل أيضاً الشوارع والجسور المحرومة من صيانتها، والأنهار والغابات المستنزفة بسببها، وأجواء الكرة الأرضية الملوثة بحريقها، كلها تصرخ طالبة تغيير الفلوس. ووضع الفلوس ليس أسوأ مما نتصور، بل أسوأ مما نستطيع تصوره، وليس في البلدان العربية الثائرة فقط، بل في معظم بلدان العالم، وإذا كان بعضها، كإيسلندا واليونان وإيرلندا والبرتغال، قد أعلن إفلاسه، واستسلم لارتهان الفلوس، وبلدان أخرى كإسبانيا على قائمة الانتظار، فإن أكثر البلدان فلوساً كأكبر مصارف الفلوس أكبر من أن تُنقذ. ومَنْ أكثرُ فلوساً وإفلاساً من الولايات المتحدة التي كادت حكومتها في الأسبوع الماضي تغلق أبوابها بسبب خلو خزانتها من فلوس كافية لدفع مرتبات موظفيها! تمت عملية الإنقاذ قبيل موعد الإغلاق بساعتين، وذلك عندما وافق الحزب الجمهوري الذي يملك الأغلبية في الكونغرس على موازنة مؤقتة توفر فلوساً كافية لدفع مرتبات موظفي الدولة فترة ستة أشهر قادمة. مقابل ذلك تعهد أوباما باستقطاع مبلغ 38 مليار دولار من الموازنة الفيدرالية للعام الحالي. وهذه فلوس كالأشباح لا وجود لها في الحقيقة، فهي مجرد تحويلات بين الحسابات المختلفة للدين العام، لكنها كأشباح أفلام الرعب تسّود عيش موظفي الحكومة البالغ عددهم 800 ألف، ومعهم قطاع واسع من الأعمال المتصلة بالحكومة، كالشركات التي تجهز السلع للوكالات الفدرالية، أو الفنادق والمطاعم في المتنزهات والمناطق السياحية العامة، كذلك موظفي البنوك التي تدير قروضاً لمالكي المنازل مضمونة من قبل وزارة الإسكان، وحتى موظفي بورصة "الوول ستريت" لأن عملهم يتوقف على تدفق المعلومات التي توفرها أجهزة الدولة. وتؤجل مساومة واشنطن حل المشكلة عن طريق تدوير حسابات الدين العام للدولة، والذي يزيد عن 14 تريليون دولار، بينها أكثر من 3 تريليونات دولار نفقات الحرب على العراق وأفغانستان. ويستحيل على أعضاء مجلسي الكونغرس والشيوخ، من كلا الحزبين، تفسير سبب خلو خزانة القوة العالمية العظمى من فلوس حقيقية، ذلك لأن ثلث وقتهم مكرس للظهور بمظهر الصائب، وتسفيه رأي الطرف الآخر، حسب دراسة باحثين من جامعتي ستانفورد وهارفارد. في غضون ذلك سيعادل حجم الدين العام بحلول عام 2020 نحو ثلاثة أرباع الناتج الإجمالي الوطني للولايات المتحدة. التعامل مع هذا الكم الهائل من الفلوس يحتاج إلى جدارة أخلاقية وذهنية عالية، يفتقر إلى كليهما سياسيون محترفون يتجنبون مسائل معقدة لا تجلب فلوساً ولا أصواتاً انتخابية. والفلوس بطبيعتها كائنات معقدة، بسبب ازدواجية وظيفتها، كمقياس للقيمة كالذهب، وكوسيط بحد ذاتها لتبادل كميات هائلة من السلع بشكل سهل وهادئ ومضمون. وهذا سبب عودة الاهتمام بدراسة كتاب "رأس المال" لماركس، أو بالأحرى استمرار الاهتمام به، ليس في الحركة الشيوعية الراحلة، بل في فكر النخبة الأكاديمية الأميركية، وهذا أكثر ما يدهش عند الاستماع إلى أساتذة في جامعات هارفارد وكولومبيا وستانفورد وغيرها، يفضحون كيف تغطى الفلوس "الأسطورية" بأساطير من التضليل، ليس الإعلامي فحسب، بل الأكاديمي أيضاً، والتي كان يقول عنها هنري فورد، أحد أبرز رواد الرأسمالية الأميركية، "من الأفضل جداً عدم فهم الناس نظامنا المصرفي والنقدي لأنهم لو عرفوا ذلك، فأعتقد أن الثورة ستقع قبل حلول صباح الغد"! ويستحيل ليس على الناس العاديين فقط، بل وعلى المصرفيين أنفسهم، فهم كنه الفلوس اللافلوس، كالمشتقات والمستقبليات، والتي يبلغ حجمها أكثر من 681 تريليون دولار، ويعادل هذا عشر مرات مجموع الإنتاج السنوي العالمي. ويكشف طبيعة "اللافلوس" اللورد روبرت ماي، أستاذ جامعة أوكسفورد، والمستشار العلمي السابق للحكومة البريطانية، الذي يقارن انتشارها بعدوى فايروس "الإيدز"، ويحذر من خطرها الكامن في بُنية البنوك الكبيرة "التي تجعل تعاملاتها المالية المتشابكة والمعقدة النظامَ الماليَّ أكثر عرضة للانهيار". ويعتبرُ هنري ليو، أستاذ الاقتصاد في جامعة كاليفورنيا النظام النقدي الحالي "مكيدة وحشية"، وعندما سندرك حقيقتها فإن نظرتنا لعالمنا الاقتصادي تحتاج إلى أعادة تعريف بالكامل، "كما حدث بالضبط لعلوم الفيزياء التي تغيرت مع تغير نظرة الإنسان للعالم عندما أدرك أن الأرض ليست مسطحة، ولا هي مركز الكون". ويذكر "ليو" في دراسة عنوانها "الاقتصاد الكوني في مرحلة انتقال"، أن الخدعة تكمن في عدم وجود فلوس "حقيقية" في النظام المالي الذي يتكون في الواقع من ديون فقط. وباستثناء الفلوس المعدنية التي تصدرها الحكومة، وتشكل واحداً من عشرة آلاف من التجهيزات النقدية، فإن مخزون أميركا النقدي الحالي يتكون بالكامل من قروض لبنوك القطاع الخاص عن فلوس أنشأها ترقين القيود في الدفاتر الحسابية. يجري كل ذلك بخفة يد، وكألعاب السَحَرة المشعوذين علينا أن نراها مرات عدة قبل أن ندرك ما يجري. لكن عندما ندرك ما يجري يتغير كل شيء، ويتحتم علينا إعادة كتابة التاريخ بالكامل". وأثارت حماسي تهديدات البنوك البريطانية الكبرى بالانتقال من لندن إلى مدينة دبي في حال تنفيذ حكومة المحافظين إصلاحاتها المصرفية. وتوقعتُ أن تنقل معها فلوساً حقيقية وليس مجرد معطيات رقمية في الخزانات الإلكترونية كانت السبب في أزمة "شحة النقود" التي أودت بمصارف أميركية وبريطانية كبرى قبل عامين. ولم ينقذ البنوك الباقية سوى ضخّ واشنطن ولندن في حافظاتها الخاوية ما يعادل تريليون دولار من أموال دافعي الضرائب، وأنا منهم. ودفعتني الرغبة بالانتقام إلى سحب نقودي من المصرف وتحويلها إلى جنيهات استرلينية ورقية، ووقعت كارثتي المالية عندما وضعت الشغّالة المخدة، التي حفظت فيها الجنيهات في آلة غسيل الملابس مع مسحوق تبييض الألوان! قد تبدو قصتي خيالية إلاّ أنها أسهل تصديقاً من حركة رقاص ساعة الدَين العام في أميركا، والتي يمكن رؤيتها في موقع إنترنت "بابل اليوم" Babylon Today. إنها انتقام أجدادنا العراقيين الذين وضعوا في بابل قبل ثلاثة آلاف عام "التقسيم الستيني" المستخدم في قياس الوقت. ولا يُعرف حتى الآن لماذا ابتكروا "التقسيم الستيني" الذي جعلني أسمع نبض قلبي يرقص طرباً حين قاس ازدياد دين واشنطن نصف مليون دولار خلال كتابتي هنا الثلاثة سطور الأخيرة. التفسير الوحيد لمأثرة أجدادنا عثرتُ عليه في عبارة مشهورة من "سفر الرؤيا" تتصدر موقع "بابل اليوم" تقول: "واويلاه، واويلاه على المدينة العظيمة بابل، المدينة القوية حلّت ساعة دينونتها. وتجار الأرض يبكون وينوحون عليها فبضائعهم لن يشتريها أحد قط بعدها". يا بلدي يا حبيبي، إذا أردتني أن أموت إكراماً لعيونك خبِّرني، وسيدبر قلبي ذلك.