في بداية شهر أكتوبر الماضي، أصدر المركز الأميركي للتحكم والوقاية من الأمراض تقريراً مهماً، أظهر أن من بين ربع مليون شخص شملهم مسح صحي إحصائي، كان 9 بالمئة مصابين بالاكتئاب، ومن بين هؤلاء كان 3.4 بالمئة مصابين بالاكتئاب الشديد، مع تباين معدلات الإصابة بين الولايات المختلفة، بداية من 5 بالمئة في ولاية "داكوتا الشمالية"، وحتى 15 بالمئة في ولاية "ميسيسبي". وعلى المستوى الدولي، تظهر تقديرات منظمة الصحة العالمية وجود أكثر من 120 مليون شخص مصابين بالاكتئاب، بالإضافة إلى أن الاكتئاب يعتبر من الأسباب الرئيسية للإعاقة المرضية بين أفراد الجنس البشري. وتعتمد منظمة الصحة في تقديراتها تلك، على المفهوم المعروف بسنوات العمر المعدلة وفقاً لسنوات الإعاقة، والذي يؤكد على ضرورة الأخذ في الاعتبار عدد السنوات التي يقضيها المرء معاقاً بسبب مرض ما، عند حساب سنوات العمر الفعلية. وبناء على هذا المفهوم، يعتبر الاكتئاب من الأسباب الرئيسية خلف تعديل سنوات العمر بسبب الإعاقة، كما أنه يعتبر من الأسباب الرئيسية خلف العبء المرضي العام الذي يرزح تحته أفراد الجنس البشري بسبب الأمراض. خلاصة هذه الأرقام والإحصائيات والتقديرات، هي أن الاكتئاب مرض شائع، وبدرجة تفوق ما يتوقعه الكثيرون، كما أنه سبب رئيسي للإعاقة الصحية، والتي لا تقتصر أسبابها دائماً على العوامل العضوية، بل تنتج في أحيان كثيرة عن أسباب نفسية. وما نتحدث عنه هنا ليس الاكتئاب بمفهومه لدى العامة، والمتمثل في نوبات من انخفاض الروح المعنوية، والحزن والقتامة، بسبب المواقف السلبية خلال رحلة الحياة، أو المشاعر التي نمر بها جميعاً لسبب أو لآخر، وتزول بمرور الوقت. فالاكتئاب موضوع هذه الإحصائيات، والذي تقصده تلك الأرقام والنسب، هو الاكتئاب المرضي أو الاكتئاب الشديد الذي يطلق عليه طبياً مصطلح الاكتئاب الإكلينيكي. وبوجه عام، ومن المنظور الطبي، يتميز الاكتئاب بانخفاض الطاقة النفسية والروح المعنوية، والكره والنفور من النشاطات البدنية والذهنية والاجتماعية، بدرجة تؤثر سلباً على أفكار الشخص، وعلى سلوكه، وعلى الصحة النفسية والبدنية للمصاب. وكثيراً ما يترافق الاكتئاب مع الإحساس بالحزن، والقلق، والفراغ، وفقدان الأمل، وضعف الحيلة، وعدم جدوى الذات، والشعور بالذنب، مع العصبية وسرعة التهيج. وكثيراً ما يفقد الأشخاص المكتئبون الاهتمام والرغبة في النشاطات التي كانت سابقاً تجلب لهم البهجة والسعادة، وقد تتأثر قدراتهم الذهنية بشكل سلبي، فيصبحون غير قادرين على التركيز، أو تذكر التفاصيل، أو اتخاذ القرارات السليمة. وأحياناً ما يترافق الاكتئاب بأعراض وعلامات أخرى، مثل زيادة أو فقدان الوزن بشكل كبير، والأرق أو كثرة النوم، والشعور بالإرهاق والتعب الدائم. وتظهر لدى المكتئبين أحياناً أعراض بدنية مثل الشعور بآلام مزمنة دون وجود سبب عضوي، أو الإصابة بنوبات متكررة من عسر الهضم التي لا تستجيب للعلاج الدوائي. ورغم أن هذه الأعراض تتشابه إلى حد كبير مع نوبات الاكتئاب الطبيعية التي يتعرض لها الكثيرون خلال رحلة الحياة، فما يميزها عن الاكتئاب المرضي أو الإكلينيكي يتمركز حول نقطتين أساسيتين؛ هما طول فترة هذه النوبات، ومدى فداحة تأثيرها على الجوانب المختلفة لحياة الشخص؛ اجتماعياً ومهنياً، وجنسياً في بعض الأحيان. ويخطئ الكثيرون باعتقادهم أن الاكتئاب هو حالة نفسية مقصورة على الكبار فقط، حيث كثيراً ما يتعرض الأطفال أيضاً لنوبات من الاكتئاب. ويعود هذا الخطأ إلى اعتقاد علماء النفس -حتى بداية عقد الثمانينيات- بأن الأطفال لا يتمتعون بالنضج النفسي الكافي للإحساس بالمشاعر السلبية العميقة، مما يقيهم من الشعور بالاكتئاب. والحقيقة أن 2 بالمئة من الأطفال، دون سن الثانية عشرة، يعانون بالفعل من الاكتئاب الشديد، وهي نسبة ترتفع إلى 5 بالمئة مع دخلوهم سنوات المراهقة. وبين الذين يعانون من الاكتئاب من البالغين، نجد أن أعراض المرض بدأت لدى أكثر من نصفهم في سنوات الطفولة والمراهقة. وعلى العكس من ذلك، نجد أنه من الخطأ الاعتقاد بأن الشعور بالاكتئاب، وانخفاض الطاقة النفسية والروح المعنوية، هو جزء طبيعي من الشيخوخة والتقدم في السن، فرغم أن الاكتئاب ينتشر بشكل أكبر بين المسنين، وخصوصاً في مرحلة ما بعد التقاعد، فإنه ليس جزءاً من الشيخوخة الطبيعية. فبالنسبة لكبار السن، يشكل فقدان الزوج أو الزوجة، والابتعاد عن بيئة العمل اليومية، وانفصال الأولاد واستقلالهم... أسباباً مؤدية للشعور بالاكتئاب، وإن كان ذلك ليس بسبب تقدم السن في حد ذاته. وأحياناً ما ينتج الاكتئاب في هذه الفئة العمرية عن أمراض عضوية، تتزايد معدلاتها أيضاً مع التقدم في السن، مثل أمراض القلب والشرايين، والأمراض السرطانية، وكسل الغدة الدرقية، ونقص فيتامين B12. وأحياناً تؤدي الإصابة بالأمراض العضوية إلى الإصابة بالاكتئاب بشكل غير مباشر، من خلال الأدوية والعقاقير التي تستخدم في علاجها، مثل أدوية علاج ارتفاع ضغط الدم، أو أدوية علاج أمراض القلب. وبالنظر إلى مدى انتشار الاكتئاب كحالة مرضية، وتعدد المعتقدات الخاطئة لدى العامة -وأفراد الطاقم الطبي أحياناً- أصبحت الجهات الصحية المختلفة تولي هذا المرض قدراً أكبر من الاهتمام، سعياً وراء خفض معاناة المصابين به، ولتجنب الإعاقة الناتجة عنه، والتي يتحمل أفراد المجتمع تكلفتها ونتائجها النهائية. د. أكمل عبدالحكيم