لا يزال الصراع مستمراً في واشنطن بهدف السيطرة الأميركية على من يخلفون الطغاة الذين أسقطتهم الانتفاضات الشعبية في مصر وتونس، مع استمرار تهديد الانتفاضات نفسها بإسقاط طغاة آخرين ورؤساء مدى الحياة، هم وأحفادهم. وكانت التقارير السرية الصادرة عن الحكومة الأميركية بأن يقذف بصالح إلى فك التماسيح الشعبية الغاضبة المحتجة عليه، وأن توكل إلى الـ"سي. آي. إيه" مهمة البحث عن بديل له، قد تسربت بطريقة ما إلى صفحات "نيويورك تايمز" ولم يعلن عنها رسمياً عبر مؤتمر صحفي. وفي عيون المسؤولين الأميركيين، فإن الذنب الذي ارتكبه علي عبد الله صالح، لم يكن العنف الوحشي الذي واجه به المحتجين عليه، لأن ذلك لا يزال محتملاً ومغفوراً حتى الآن -مثلما احتملت واشنطن من قبل العنف نفسه الذي واجه به الرئيسان السابقان مبارك وبن علي في مصر وتونس قبل إسقاطهما- وإنما يتلخص ذنبه في عجز هذا العنف عن قمع الانتفاضة الشعبية المطالبة برحيله. وعليه فإن الذي يفهم أن عجز هؤلاء الطغاة في نظر واشنطن لا يعود إلى استبدادهم، وإنما في خيبة هذا الاستبداد وعدم قدرته على قمع وردع الانتفاضات الشعبية المطالبة بتغيير حلفاء واشنطن. وتشير المعلومات السرية المتسربة عن التقرير إلى قناعة واشنطن بعدم جدوى صالح الآن، وكونه لم يعد يصلح في حرب واشنطن على تنظيم "القاعدة" باليمن، مع العلم أن هذه الحرب اليمنية عادة ما ينظر إليها الكثير من مسؤولي واشنطن على أنها ذات أهمية كبرى في الحرب الأوسع على الجهادية العالمية. ويعم خوف في دوائر اليمين الأميركي من أن تحل الشريعة الإسلامية ذات يوم محل الدستور الأميركي، وأن تنجح الجاليات المسلمة الأوروبية المتسعة في اختطاف أوروبا كلها، خاصة وأن المهاجرين لا يكفون يطمحون إلى إعلان خلافة إسلامية عالمية. وهي ذات المخاوف التي أثارها ورددها القس تيري جونز -من جينسفيل بولاية فلوريدا- حيث تسبب هذا القس الكاره للإسلام في مصرع ما يزيد على عشرين أفغانياً مؤخراً إثر إحراقه لنسخ من القرآن. وعلى رغم ما يبدو من تباعد بين هذه الأحداث من بعضها، فهي جميعها تشير إلى نوع من الهستيريا السياسية الأميركية، يتم استغلالها واستثمارها على نحو ديماجوجي، مثلما حدث في فترات سابقة من التاريخ الأميركي. وعلى رغم إدراكي لحقيقة أن الدول الكبرى تحتضن عملاءها ووكلاءها المحليين الذين يخدمون مصالحها الخارجية كما هم، وأنها لا تفرض أي نوع من الرقابة على سلوكياتهم وأدائهم إلا بعد أن تكون قد تبنتهم سياسياً أولاً. غير أن تطورات الأحداث التي شهدتها كل من مصر وتونس مؤخراً تشير إلى استعداد واشنطن لإعادة النظر في سياساتها الخارجية القائمة على التعامل مع العالم العربي من خلال الطغاة المدجنين من أمثال صدام، الذين يجب التخلي عنهم واستبدالهم متى ما فقدوا القدرة على كونهم أدوات نافعة لخدمة مصالح واشنطن. وفيما يبدو فقد برز اعتراف الآن في دوائر السياسة الأميركية بأنه بات ممكناً للحلول السياسية الوطنية المحلية أن تكون ذات جدوى أكبر من الوصفات السياسية المفتعلة التي فرضت من الخارج على كل من العراق وأفغانستان، باعتبارها بديلاً لديكتاتورية صدام العسكرية، أو للأصولية الدينية التي فرضت نفسها على المجتمعين العراقي والأفغاني. وفي حين تتنافى الديكتاتورية العسكرية مع جوهر القيم السياسية الأميركية وتعجز عن التصالح معها، يبدي التطرف الإسلامي نفوراً ما بعده من كل ما له علاقة بالقيم ونمط الحياة الغربيين. وعليه فقد أثارت الثقافات الإسلامية حساسية وغضب المسيحيين البروتستانت الأميركيين، بذات القدر الذي أثارت به حساسية التقدميين السياسيين الغربيين المؤيدين للإصلاح. وبسبب هذه الحساسية، فقد وجدت أرض مشتركة ما، بين المحافظين الجدد الأميركيين، ودعاة التدخل الإنساني، سعى فيها كلا الفريقين إلى استحداث شكل جديد من الإسلام المعولم المتصالح مع إسرائيل. ومهما يكن من طموح هذه المساعي، فمما لا ريب فيه أن للثورات والانتفاضات الشعبية التي اجتاحت العالم العربي مؤخراً، جذوراً محلية أعمق مما يتصوره صناع القرار الغربي بكثير. فتحت شرارتها يرقد التململ الاجتماعي، والظلم الفادح في توزيع الثروات بين المواطنين، ونظم الحكم المتعسفة القائمة على مؤسسات القمع الأمني للمواطنين. ثم إن حدوداً سياسية جزافية مصطنعة، فصلت بين هذه الدول التي نشـأت عقب اضمحلال الإمبراطورية العثمانية في عشرينيات القرن الماضي، ولطالما تجاهلت الحقائق والمصالح الإثنية والعشائرية والتاريخية ونظم الحكم التقليدية القائمة فيها منذ أزمنة بعيدة في التاريخ، يعود بعضها إلى آلاف السنين كما في مصر وسوريا والعراق. ومن هنا تنشأ سخرية الاعتقاد بوجود حلول آلية جاهزة لدى واشنطن وحلفائها من الدول الأوروبية لمشاكل الواقع العربي. كما أنه ليس للحضارة الإسلامية أدنى مسؤولية عن جريمة فرض إسرائيل -باعتبارها كياناً غير عربي وغير إسلامي- على أرض عرفت تاريخياً بأنها للفلسطينيين، في محاولة من الغرب فيما يبدو لغسل يديه من دماء جرائم الهولوكوست التي ارتكبها بحق اليهود. وبينما تتسع كراهية العرب لأميركا بسبب تحالفها الاستراتيجي مع إسرائيل، فقد استمرت نظرة الشارع العربي إلى الأوروبيين باعتبارهم مستعمرين سابقين لدولهم. ومهما يكن من أمر الأنظمة التي ستعقب الطغاة الذين تطيح بهم الثورات والانتفاضات العربية المشتعلة الآن، فإن أسوأ سيناريو يمكن تصوره، أن تبذل واشنطن مساعي جديدة لإحكام سيطرتها على المنطقة عبر وكلاء سياسيين مدجنين لخدمة مصالحها، تحت وهم "التحول الديمقراطي" للمنطقة. فتلك هي ذات السياسة التي أشعلت الحروب الإقليمية في كل من العراق ولبنان وأفغانستان وباكستان، إضافة إلى تهديدها بشن حرب جديدة على إيران، ووقوفها وراء التدخل العسكري في ليبيا. وفي اعتقادي أن على واشنطن وحلفائها الأوروبيين أن يرتدعوا عن هذا الضلال، بالبحث عن سياسات خارجية أفضل لهما. ويليام فاف كاتب ومحلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع "تريبيون ميديا سيرفيزيس"