تناقلت وسائل الإعلام البريطانية بداية هذا الأسبوع، خبر الحكم بالسجن لمدة ثماني سنوات على مواطن بريطاني، بتهمة تهريب وتوزيع وبيع أدوية مزورة، بقيمة 4.7 مليون جنيه استرليني، أو ما يقارب 30 مليون درهم. ويظهر حجم هذه القضية، ومدى اتساع نطاقها، ووصول بعض الأدوية بالفعل إلى منافذ البيع في الصيدليات، واستخدامها من قبل الآلاف من المرضى البريطانيين، أن سوق الأدوية المزورة ليس مقصوراً كما يعتقد الكثيرون على الدول الآسيوية والأفريقية، وبقية الدول الفقيرة والنامية فقط، حيث أصبحت تطال هذه الجريمة شعوب الدول الغنية والمتقدمة، والتي تتمتع برقابة جمركية ودوائية على أعلى مستوى ممكن. وبالفعل أظهرت دراسة مسحية شملت 20 دولة، كانت قد أجرتها منظمة الصحة العالمية أن 60 في المئة من حالات تزوير الأدوية تتم في الدول الفقيرة، بينما تتم الـ 40 في المئة الباقية في الدول الصناعية المتقدمة. ويلاحظ العاملون في مجال مكافحة تجارة الأدوية المزورة على المستوى العالمي، تزايد استهداف الدول الغنية، بسبب ارتفاع القوة الشرائية لدى سكانها، وارتفاع سعر الأدوية بها مقارنة بالدول الفقيرة، مما يعد بهامش ربح أكبر لدى المزورين. وهو ما يتضح من حجم القضية التي حكم فيها الأسبوع الماضي على البريطاني البالغ من العمر 64 عاماً، حيث نجح خلال ستة شهور فقط في تهريب 72 ألف علبة دواء مزورة من الصين إلى بريطانيا -تحتوي على 2 مليون جرعة دوائية- تم بيع 25 ألف علبة منها للمرضى من خلال الصيدليات، قبل أن تكتشف السلطات الأمر، وتضبط الكمية الباقية. والغريب أيضا في الموضوع، أن عبوات الدواء تلك، كانت على دقة من اتقان التزوير، لدرجة لم تثر أي شبهات لدى الصيادلة، أو آلاف المرضى الذين يتعاطون هذه الأدوية بشكل يومي تقريباً لسنوات طويلة. ورغم أنه من الصعب الوصول إلى أرقام محددة، فإن التقديرات تشير إلى أن نسبة الأدوية المقلدة المتداولة، تزيد عن 10في المئة من الحجم الإجمالي لسوق الدواء العالمي برمته. هذه الأدوية تتواجد في جميع مناطق العالم من دون استثناء، وإنْ كانت الدول النامية والفقيرة هي الضحية الأكبر لهذه التجارة غير الشرعية. فمن بين جميع الأدوية التي تباع وتستهلك في الدول النامية والفقيرة، تشكل الأدوية المزورة والمقلدة 25 في المئة منها، وفي بعض الدول ترتفع هذه النسبة لتصل إلى 50 في المئة أو ما يساوي حبة دواء من كل حبتي دواء يتعاطاها المرضى في تلك الدول. وبلغة الدولارات، قدرت منظمة الصحة العالمية عام 2003 حجم مبيعات الأدوية المزورة حول العالم بأكثر من 32 مليار دولار، بينما قدر المركز الأميركي للطب من أجل المصلحة العامة (Center for Medicines in the Public Interest)، بأن حجم السوق الدولي لتجارة الأدوية المقلدة والمزورة بلغ عام 2010، أكثر من خمسة وسبعين مليار دولار بزيادة قدرها 90 في المئة عن حجم السوق في عام 2005. وتتم معظم معاملات هذا السوق، في الدول التي لا تتمتع بقوانين وإجراءات تنظيمية كافية لسوق الدواء، أو تلك التي لا تستطيع تنفيذ تلك القوانين والإجراءات، وخصوصاً إذا ما كانت هذه الدول تعاني من نقص حاد أو من امدادات غير منتظمة للأدوية الأساسية. ويأخذ تزوير الأدوية أشكالاً عدة وأنماطاً مختلفة، ففي بعض الحالات يتم تغيير تاريخ الصلاحية على عبوات أدوية فسدت وانتهت صلاحيتها، وفي أحيان أخرى يتم تخفيف الجرعة الفعالة في الدواء، أو أن يتم استبدالها بالكامل بمادة ليست ذات فعالية، كالنشا أو دقيق القمح، أو يتم تصنيع هذه الأدوية في مصانع لا تلتزم بنفس معايير الجودة المعمول بها في مصانع شركات الأدوية الدولية، ثم تعلب هذه الأدوية في عبوات مطابقة لعبوات الشركة الأصلية. وتكمن المشكلة في الأدوية المزورة، مقارنة بتزوير البضائع الأخرى، أن المريض الذي يتعاطى دواء مزوراً، منتهية تاريخ صلاحيته، أو لا يحتوي على القدر الكافي من المادة الفعالة، أو لا يحتوي على أي من المادة الفعالة تماماً، يمكن أن يتعرض لمخاطر صحية فادحة، تتراوح ما بين الأعراض الجانبية الشديدة، مروراً بنوبات التحسس للمواد الكيميائية المستخدمة، ونهاية بتدهور حالته الصحية نتيجة عدم تناوله العقار الموصوف له، والذي تم استبداله بمادة ليست ذات أية قيمة. وكثيراً ما يعاود هؤلاء المرضى أطباءهم مرة أخرى، بعد فشل (العلاج)، وهو ما قد يحير الأطباء، ويدفعهم لإجراء المزيد من الفحوصات والتحاليل لتأكيد تشخيصهم، وفي النهاية وصف عقار آخر للمريض أغلى ثمناً وأعلى تكلفة، وهي الأمور التي ترهق كاهل المرضى، وتستنزف ميزانيات الرعاية الصحية. وأحياناً ما تهدد الأدوية المزورة الأمن الصحي العالمي برمته، من خلال استخدام المضادات الحيوية المزورة، التي تحتوي على نسبة ضئيلة من المادة الفعالة. فعند تعاطي هذا النوع من الأدوية، يعجز المضاد الحيوي عن قتل الميكروب، وعن تحقيق الشفاء للمريض، وينجح فقط في توليد مناعة للميكروب ضد المضاد الحيوي، لا يجدي معها العلاج لاحقاً بالجرعات الكاملة من المضادات الحيوية الأصلية. مثل هذا السيناريو، يشك الكثيرون في أنه أحد الأسباب الرئيسية خلف تزايد ظاهرة مقاومة الجراثيم للمضادات الحيوية خلال السنوات الأخيرة، وواحد من أكبر المخاطر التي أصبحت تهدد الأمن الصحي العالمي، من خلال تقويضها لجهود مكافحة انتشار الأمراض المعدية، والحد من قدرتها المتزايدة على التنقل من بلد إلى آخر، والتسبب في أوبئة عالمية يذهب ضحيتها عشرات الآلاف من البشر.