منذ أن اجتاح مد التغيير الثوري العالم العربي، والمواطن العربي يراقب، وينتظر خبراً عاجلاً. مظاهرات ووقوع قتلى وجرحى، وشباب يقف عاري الصدر أمام الدبابات والمدرعات. إنه مشهد فاجأ في الحقيقة كثيرين فيما ظل استيعاب الأمر عصياً على العديد من مكونات الشعب العربي حتى النخب المثقفة والأكاديميين وفي مجالسنا، وإعلامنا صرنا نستمع لحوارات مشككة بالمستقبل بسوداوية غريبة في الطرح حتى خرج أحدهم بنظرية المؤامرة الصهيونية لقلب الأنظمة العربية. والغريب أن نظرية المؤامرة تلك صادفت هوى في نفوس الكثيرين فراحوا يتداولونها في المنتديات الإلكترونية والمدونات وفي المواقع الاجتماعية كالفيسبوك وتويتر. وخلاصة الأمر إبقاء الأمور على ماهي عليه، فتلك الثورات الشبابية مدعومة من قوى خارجية وتخدم أجندات خارجية. والمظاهرات والشباب العربي ماهو إلا عرائس على المسرح تحركها أيادٍ أجنبية... إنها نظرية المؤامرة بفصول جديدة. في أطوار الاستبداد السياسي المستمر، ينمو وينتشر أسلوب التخوين كخلية سرطانية نشطة، ويتناقله العامة، فتصدر الإدانات الشعبية والأحكام التعسفية بالآخر فهو خائن، عميل، مرتبط بالخارج، هادماً للأوطان، لم ولن يسعى بسلوكه للبناء فهو المختلف وسط القطيع، وهو المقصي من المجتمع، وهو المنبوذ، فالخيانة فعل لا تهاون عنده ومن ثم الإقصاء. ومع تشبع المجتمع بثقافة تخوين المختلف رأياً، يتكفل تلقائياً بردع أي فرد يغرد خارج السرب السياسي، حتى قبل أن تتكفل الأجهزة القانونية وغير القانونية بإسكات الطيور المعارضة. بطبيعة الحال، وعلى مدى سنوات، يتعرض الجمهور العربي لعملية مستمرة من الاستلاب والتخدير وغسل الدماغ. والتكتيم، يعتاد الأفراد الخضوع حتى يصبح فعلاً فطرياً ، فيتعطل الدماغ الناقد عندما يتم احتكار المعرفة ومصادرة حرية الرأي، وتتصحر الحياة الثقافية، وتغلب روح التشاؤم واليأس، وتقتل الروح النقدية، ويصبح الامتثال ثقافة، وتصبح المواطنة مرهونة بالالتحاق بالقطيع، ويصبح التخوين والتخويف وجهان لعملة واحدة تتداولها الحكومات بين شعوبها. الخوف شعور بدائي استوطن المجتمعات العربية، وتغلغل في مفاصل مواطنيها، فكان أول مفردة داستها الجموع في مظاهراتها، وكان التحرر من الخوف أول فعل عربي أسس لمفردات ثورات شعبية. لقد صمتت تلك الشعوب طويلاً، وفرضت عليها ثقافة الخوف، فالرأي الآخر هو فتنة خروج على الجماعة بدعة وضلالة، إنها ثقافة الخوف التي جعلت من شعوب بمكوناتها الاجتماعية العرقية والثقافية صورة واحدة يرسمها النظام الحاكم، وتعيد صياغتها مؤسسات المجتمع التسلطي. شعوب قدرية تفضل السلامة الفردية على اكتشاف مفردات الحرية، شعوب يخدرها الأمان والاستقرار السياسي المخادع عن الفعل وعن التفكير في الفعل. وتأسيساً على ما سبق، فإنه لا قيمة للثورات العربية أو للتغيير السياسي مالم يرافقه تحديث للفكر، وتحرير للإنسان من تركة الخوف الثقيلة. لا ننتظر حدوث معجزة تنقل الشعوب العربية من استبداد ثقافة الحاكم الواحد والحزب الواحد والرأي الأوحد، وليس من المأمول على المدى القريب أن تنتشل التعديلات الدستورية أو تغيير السلطة السياسية شعوب تلك الدول أو الدول السائرة في ركبها من حضيض الاستبداد السياسي، فطريق الديمقراطية مازال طويلاً ولم ولن يكن معبداً. فقد تغلغل الاستبداد السياسي في مفاصل المجتمعات، التي تحتاج لأكثر من ثورة حتى تزول حالة الخدر السياسي بها، ويعاد تعريف المواطنة السياسية لديها كفعل إيجابي وتنتهي القطيعة السياسية بين الدول والمجتمعات.