بدأت تحليلات طويلةٌ عريضة بشأن هوية بعض المشاركين في "التمرد" بليبيا، وذلك عندما خرج كهلٌ مُلْتحَ على إحدى القنوات فقال إنه من "القاعدة" وقد قاتل بأفغانستان والعراق، وهو قادمٌ الآن للجهاد بليبيا ضد القذافي. وما كاد القاعديُّ المُزيَف ينتهي من تصريحه، حتى صرَّح مسؤول عسكري جزائري بأنّ "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" بدأت تستفيد من الأسلحة التي وصلت إلى المتمردين بليبيا، فقد جاءت مجموعةٌ منهم من الصحراء فاشترت صواريخ سام من"الثوار" ثم عادت إلى قواعدها بمالي! ولا شكَّ أنّ الكهل الذي صرَّح بأنه من "القاعدة"، هو من عملاء السلطة الليبية، وقد أُرسل لكي يقول هذا الكلام والذي كان القذافي قد أَنذر به الأميركيين والغربيين، بل واتهم الثوار علناً بأنهم أهل "القاعدة" وأهل التحشيش والهلوسة! أما الجزائريون، والذين تشتدُّ المتاعب لديهم بالداخل، فيقال إنهم يُساعدون القذافي سراً وعلناً. لكن بغَضِّ النظر عن الشائعات التي يثيرها القذافي والآخرون، ما حقيقة العلائق بين الإسلاميين والثورات التي اندلعت في أربعة أو خمسة بلدان عربية، وتوشِكُ أن تنالَ من أكثر الدول العربية؟ وما علاقات الإسلاميين الحزبيين بهذه الثورات، وقبل ذلك: مَنْ هم "الإسلاميون" المقصودون؟ المقصود بالإسلاميين الذين يخافُهُمُ الأميركيون، المتطرفون الذين يرون ممارسة العنف لإسقاط السلطات أو نشر الفوضى. وقد تكون لبعض هؤلاء صِلاتٌ غير مباشرةٍ بالجماعات المسلَّحة المتطرفة. أما ذوو العلاقة المباشرة، فهم لا يطمعون بإثارة الاضطراب، لأنه لا شعبية لهم عند الجمهور، وأكثر هؤلاء إمّا في السجون أو خرجوا منها بعد مصالحاتٍ مع السلطات، وهم تحت الرقابة الشديدة. وما دام الأمر كذلك، فبالقطع لا علاقة لهذه الفئة بما جرى في كلّ الدول العربية حتى الآن، بل إنّ ما جرى بمصر وتونس على الخصوص لا يثير دعم المتطرفين ولا استحسانهم، بسبب الطابع" المدني" الذي ساد تلك الثورات، والذي لا يختلف في مُعاداته للتطرف عن السلطات السابقة، بل قد يكون أشدّ. أمّا الفئةُ الثانيةُ من الإسلاميين والتي تُثيرُ حساسية الأوروبيين (أكثر من الأميركيين)، والسلطات العربية، فهم "الإخوان المسلمون" ومتفرعاتهم. وهؤلاء لا يقولون بالعنف في مواجهة السلطات، ولديهم تنظيماتٌ متماسكة حتى الآن، ومشروعة في بعض البلدان، مثل الأُردنّ واليمن، ونصف أو رُبع مشروعة في بلدانٍ أُخرى مثل الجزائر والمغرب. هذه الفئة من الإسلاميين، سواء أكانت على علاقة حسنة بالنظام أو سيئة خلال العقود الماضية، أثارت دائماً قلقاً حقيقياً لدى السلطات بسبب حُسْن التنظيم وربما الانتشار. وقد تصارع هؤلاء مع السلطات وقاموا بتمرداتٍ وقُمعوا بقسوةٍ، وصاروا فئةً وازنةً شعبياً وانتخابياً في اليمن والأردنّ والمغرب. وقد قلتُ إنّ هذا النوع من المعارضين الإسلاميين يثير قلق الأوروبيين بالإضافة إلى السلطات، لأنهم يعرضون نموذجاً آخر للدولة يعتبره الأوروبيون ثيوقراطياً أو غير مدني. ثم إنهم معروفون (في شعاراتهم على الأقل) بالمعاداة الشديدة لإسرائيل، كما عمدوا في العقد الأخير للتواصل مع إيران، وقد ناصروا "حماس"، وأيَّدوا "حزب الله" في قتاله لإسرائيل، وما عارضوا استخدامه للسلاح في الداخل اللبناني. ولا يثير هؤلاء قلقاً كبيراً لدى الأميركيين، لأنهم (أي الأميركيون) تواصلوا معهم منذ التسعينيات وإنْ بطرائق غير مباشرة، ثم تواصلوا معهم بشكلٍ منتظمٍ منذ عام 2007. ولا ننسى أنّ الأميركيين أدخلوهم في السلطة منذ اللحظة الأُولى بالعراق، لافتقارهم (أي الأميركيين) آنذاك إلى طرفٍ سنيٍ وازن، ولأنّ "الإخوان" العراقيين قبلوا المشاركة في العملية السياسية. وليس معنى ذلك أنّ الأميركيين يستحسنون شعارهم (الإسلام هو الحل)، ولا إعلاناتهم عن تحرير فلسطين، لكنهم يقبلون التزامهم بالعمل من داخل النظام، والدخول في العملية السياسية بالشروط المتعارَف عليها في الدول الديمقراطية. وبعد هذا الاستطراد نقول أيضاً: إنّ "الإخوان المسلمين" أو تنظيماتهم ما أسهمت في الثورات العربية، ولا دخلتها في أسابيعها الأُولى. وهم شأنهم في ذلك شأن الأميركيين كانوا يعتمدون على ضمانات الجيش (وبمصر وتونس على الخصوص) أن لا يُمكِّنوا مبارك وبن علي من التجديد أو التمديد، وأن تكون نهايةُ مدة كلٍّ منهما إيذاناً بتحولٍ ديمقراطي سلمي ومتوسط المدى لتغيير النظام باتجاه الانفتاح والحرية، دونما عنفٍ أو فوضى. وفي الوقت نفسِه كان الأميركيون وبعض الأوروبيين يُراقبون تطور أنشطة جماعات المجتمع المدني وحقوق الإنسان والتواصل الإلكتروني فيما بين الشباب والوسائل الأُخرى للفعالية، إذ لاحظوا هم وفئات الشبان المتعلِّمين تعليماً عالياً، والذين يتعاملون مع الأسواق العالمية، الدور الذي لعبتْه هذه الوسائل الاتصالية في حركة الاحتجاجات الإيرانية الشابة على نتائج الانتخابات الرئاسية عام 2009. ولا شكَّ أنّ هذه "التداخُلات" أثارت حفيظة الأنظمة، فشدَّدت من إجراءاتها الأمنية. بل إنّ تلك السلطات ربما قامت ببعض الاستثارات للاستدراج (مثل تفجير الكنيسة وأماكن أُخرى)، وضرب المحتجين، والقبض على ناشطين في التحشيد بالحجة نفسها. وهكذا فإنّ التدخلات الأمنية لإحباط التحركات أثارت تلك التحركات أو عجّلت بحدوثها. وعندما فشلت القوى الأمنية في ضرب الموجات الأُولى، لأنّ الجيش لم يساعدْها، بدأ رأسا النظامين يتنازلان، فاكتشف الشبان المحتجون قوتهم الجديدة، وصاروا عشرات ألوفٍ ثم ملايين! وفي هذه المرحلة (الثانية في مصر، والثالثة في تونس وأماكن أُخرى)، تدخل الإسلاميون المنظَّمون، كما تدخل اليساريون والفوضويُّون، بل وتدخَّل "السلفيون" الامتثاليون الذين اكتشفوا فجأةً أنّ مُنافسيهم من "الإخوان" صاروا ذوي حيثية، وأنّ لهم اتصالاتٍ بالأميركيين وبالقيادة العسكرية، بل وببعض رموز النظام والسلطة. إنما الذي وصل إليه الحالُ الآن أنّ النجاحات الأَوَّلية في تونس ومصر، شجّعت القوى المدنية في كثير من الدول العربية على التحرك على الشاكلة ذاتها، أي للمطالب المعيشية أولاً، والسياسية ثانياً، والدعوة لسقوط النظام ثالثاً، وآخِرُ الدول التي اندلع الاضطراب فيها هي سوريا. وفي سوريا، بعكس الأردنّ ومصر من قبل، ما سارع النظام إلى اتهام "الإخوان"، ومنهم عشرات الأُلوف في السجون، بل حذّر بدايةً من التدخلات الخارجية من الأردن ولبنان، وحذَّر من المؤامرة الرامية لإحداث فتنةٍ طائفية (بين السنة والعلويين)، وحذّر أخيراً واتّهم "الملثَّمين" الذين يقتلون الناس بطرائق القنص للإساءة إلى قوات الأمن. وليس هناك دليلٌ حتى الآن على مشاركةٍ ملحوظةٍ لـ"الإخوان" المنظَّمين في الاحتجاجات، بل إنّ التحركات كانت مطلبيةً في درعا وبانياس ودوما، ثم صارت سياسية، مع خصوصيةٍ نسْبيةٍ لتحرك الأقلية الكردية. وفي المحصِّلة؛ فإنّ التحركات الاحتجاجية والثورية العربية، هي تحركاتٌ شعبيةٌ عامةٌ يبدؤها الشبان غير الحزبيين، ثم يدخل فيها الجميع. وعندما يحصل التحول، لا شكَّ أنّ الإسلاميين سيكونُ لهم دورٌ ومشاركةٌ وفعاليةٌ بسبب حُسْن تنظيمهم، ولأنّ لهم تاريخاً نضالياً يحترمه الناس، لكنّ الأنظمة الجديدة لن تكون حزبيةً؛ إسلاميةً أو غير إسلامية.