يتساءل الناس ماذا حدث منذ نشر القاضي اليهودي الجنوب أفريقي ريتشارد جولدستون تقريره في سبتمبر عام 2009 مما جعله يتراجع الآن عن اتهام إسرائيل بارتكاب جرائم حرب متعمدة في عدوانها على غزة. هل حقاً اكتشف جولدستون معلومات جديدة، كما يقول- في مقاله الذي نشره في الواشنطن بوست الأميركية منذ أسبوع- أدت به الى تعديل استنتاجاته. كل ما قدمه "جولدستون" ليبرر تراجعه هو تبني المفهوم الدعائي الإسرائيلي القائم على اتهام "حماس" بارتكاب جرائم حرب متعمدة وذلك لاستهدافها تجمعات سكنية مدنية بالصواريخ التي تطلقها على إسرائيل والقائم في ذات الوقت على القول إن سقوط قتلى لم تستطع اللجنة الدولية برئاسة جولدستون أن تثبت أنه وقع في ظروف متعمدة. حكومة إسرائيل لم تكتف بهذا التراجع الذي اعتبرته توبة عن الخطأ من جانب "جولدستون"، بل طالبت القاضي ألا يكتفي بكتابة مقال صحفي وأن يعمل على إيصال موقفه الجديد في مذكرة إلى كافة الهيئات الدولية التي سبق وأن تلقت تقريره، وذلك لإزالة الآثار السلبية على صورة الجيش الإسرائيلي وقادته السياسيين واتهامهم بأنهم مجرمو حرب. لقد توصلت السلطة الفلسطينية وجامعة الدول العربية إلى الدوافع الحقيقية وراء تراجع "جولدستون. فلقد قال الأمين العام المساعد لشؤون فلسطين إن التراجع جاء نتيجة لتعرض القاضي وأسرته لضغوط من أطراف عدة في الوقت الذي قدم فيه الدكتور نبيل شعث تفاصيل عن هذه الضغوط، حيث قال إن جولدستون قد تمت مقاطعته في كل مكان وحظر عليه حضور تعميد أولاده في المعبد اليهودي، وحرم من الاستقبال في كل التجمعات السياسية والاجتماعية في الولايات المتحدة وأوروبا وجنوب أفريقيا وفي إسرائيل التي لم يعد مرحباً به فيها منذ صدور التقرير، وأن الرجل اضطر الى القبول بالحلول المريحة من أجل إنهاء العقوبات والإرهاب والحظر والحرمان الديني الذي فُرض عليه. إنني أؤيد هذا التفسير لتراجع جولدستون، فهذا النمط من الضغوط على الشخصيات اليهودية أو الإسرائيلية التي تخرج عن الخط الصهيوني أو الإسرائيلي الرسمي مرصود في أكثر من حالة من قبل. لعل من أشهرها "لوقا إلياف" سكرتير عام حزب "العمل" الإسرائيلي بعد عام 1967 والذي كان يتولى الحكم. وكذلك بني مورس المؤرخ الإسرائيلي الذي أعد رسالته للدكتوراه حول خلق مشكلة اللاجئين الفلسطينيين مع ولادة دولة إسرائيل ونشرها في الثمانينيات. لقد رأي "ألياف" بعد استيلاء إسرائيل على الضفة وغزة في حرب يونيو أن هناك فرصة كبرى أمام إسرائيل للتصالح مع العالم العربي وتحقيق أمنها من خلال التعايش السلمي. كتب الرجل كتاباً اقترح فيه فكرة إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة التي تعيش في سلام جنباً الى جنب مع إسرائيل على كامل أرض الضفة وغزة. ما أن نُشر الكتاب حتى تعرض الرجل للعزل من منصبه في الحزب، وقامت الجماهير بقذفه بالبيض والحجارة والطماطم في كل مكان وحُرم من دخول المعابد والمنتديات العامة عقاباً له على أفكاره المناقضة للخط الرسمي السائد في ذلك الوقت بعدم الانسحاب من الأرض المحتلة. أما "بني مورس" أستاذ التاريخ فقد عوقب عقاباً جماعياً وإنسانياً بالغاً فور نشر كتابه الذي أثبت بالوثائق التاريخية أن ادعاء إسرائيل حول رحيل الشعب الفلسطيني الطوعي عن أرضه عام 1948 هو ادعاء كاذب وأن الحقيقة تفيد أن القيادة الصهيونية بزعامة بن جوريون وضعت مخططاً مبكراً لطرد الشعب الفلسطيني باستخدام العنف والمجازر للمدنيين. وكما تراجع جولدستون عن تقريره المنشور تراجع بني مورس وأبدى ندمه لما كتب، بل ووجه اللوم لبن جوريون لأنه لم يطرد الشعب الفلسطيني بكامله. إذن لا مجال للدهشة والتساؤل عن موقف جولدستون الجديد ولنكشف الحقيقة للعالم.