كلمة المظاهرة التي تتردد على أسماعنا عشرات المرات يومياً هذه الأيام، لم تكن تعني بأي حال من الأحوال ما تعنيه سياسياً هذه الأيام. فالمظاهرة أو الظهار بالعربية القديمة تعني أن يطلق الرجل المرأة بتحريمها عليه كحرمة أمه، فيقول: "أنت علي كظهر أمي". لم يكن ما يقارب معنى المظاهرة الحديث قديما سوى كلمة "الخروج"، ومنها جاءت فرقة الخوارج، كأن يقال "خرج أهل العراق على واليهم". تغير الحال، وتغيرت المعاني، وصار لكلمة مظاهرة معنى مختلف تماماً عما عرفت به قديماً. مصدر المظاهرة "ظهر"، ومنها الظهر وهو عكس البطن، ولعله سمي كذلك لأنه أكبر أجزاء الجسم فيظهر أكثر من غيره. ويقال بالدارج حديثاً أن "فلاناً خبل على بطنه وعلى ظهره"- أي لا فائدة منه. والسير في طريق الظهر يعني السير براً، وتسمى الأرض المرتفعة "ظهر"، ويؤنثها البدو حديثاً فيقولون "ظهره"- بتسكين الظاء وفتح الهاء. في الكويت ضاحية تسمى الظهر، ورأيت لافتة لـ"ظَهْر البيدر" بلبنان مكتوبة بالضاد. وتستخدم كلمة "الظاهر" حديثاً بكثرة لتعني "الواضح"، والمظاهر ترادف "الفخفخة" والتباهي، كما يقال فلان "مظهرجي"، أي يحب المظاهر. والظهور كلمة مرتبطة حديثاً بالإعلام: "قلة ظهور الفنان الفلاني هذه الأيام". والمثل العربي القديم يقول: "قلب ظهر المِجَنْ"، أي تغير وبدل موقفه منه وعاداه. والظّهر هي الإبل التي تحمل الأثقال، والبدو لا زالوا يقولون "المظاهير". وفي تراث البادية "فلان يردّ المظاهير"- كناية عن الشجاعة والمنعة. ولعل أشهر أبيات النبط في ذلك ما قاله شالح بن هدلان في شهيرته التي رثى بها ابنه ذيب: خيالنا وإن عرجدنّ المظاهير**زيزوم عيراتٍ طواها الحيالي ولئن كانت هذه المقالة عن معنى المظاهرة، فلعل هذا البيت بحاجة إلى شرح بمقالة منفردة وخاصة لجيل الإنترنت. وفعل أظهر تعني الحفظ عن "ظهر قلب"، فيقال أظهر الكتاب أي تلاه دون قراءة. والظهور عند المسيحيين عيد ظهور المسيح حسب معتقدهم، وفلسفة الظاهرية PHENOMENISM ترى بأن الحقائق في ظاهرها ومحسوسها فحسب. نعود لكلمة المظاهرة ومعناها السياسي الحديث، ولعلها اكتسبت معناها الحديث من "ظهير" أي النصير، فقد وردت في القرآن الكريم بهذا المعنى: "والملائكة بعد ذلك ظهير". والظهيرة أو الظهر هو منتصف النهار، ولا أعرف العلاقة بين الظهر والظهير، لعله من الوضوح فالظهر رابعة النهار، والمناصرة العلنية تطورت لتعني المظاهرة. المظاهرات هذه الأيام تجتاح مدن البطش والدكتاتوريات العربية، وقد قابلتها أنظمة عربية عديدة بالرصاص والنار، ولكنها أسقطت بعضها ولم تتوقف بعد. شدتني مظاهرة مختلفة وفريدة في القاهرة قبل أيام. شباب مصريون تظاهروا أمام السفارة التونسية تظاهرة اعتذار! تخيلوا: اعتذار! منذ متى نعرف ثقافة الاعتذار والاعتراف بالخطأ؟ المظاهرة جاءت رداً على اجتياح المشجعين المصريين لملعب الزمالك وتعرض فريق "الأفريقي" التونسي للضرب على أيدي المشجعين لعدم احتساب الحكم هدفاً لفريق الزمالك. لكن الحكومة المصرية قدمت اعتذاراً لتونس وشعبها وفريقها، وخرج في اليوم التالي مئات الشباب المصريين اعتذاراً أمام السفارة التونسية! وانتهت المشكلة ولم يعد لها ذكر في الأخبار. أتذكرون المظاهرات التي اجتاحت القاهرة والجزائر بعد مباراتي بلديهما قبل عامين؟ لو لم تتغير الأحوال، كيف كان يمكن لمصر أو تونس الرسمية أن تتعامل مع شغب الزمالك؟ "مؤامرة، وحَكَم ظالم مدفوع، وبرامج حوارية تثبت أن الحكم من أصول تونسية، أو أنه كان يعمل في تونس، أو لعله "يهودياً" تعمد الوقيعة بين البلدين الشقيقين"!! الظاهر أن المظاهرات التي تظهر على شاشات القنوات سوف تظهر لنا حقائق لم تكن ظاهرة بل خافية في بواطننا.