عندما كانت الحرب العالمية الثانية تطوي سدولها بالكاد، ولم تكن قوات الحلفاء قد حققت انتصاراً عسكرياً حاسماً على النازية بعد، كان على تلك القوات أن تبدأ إصلاح الدمار الهائل الذي خلفته الحرب وراءها. واعتماداً على دروس الحرب العالمية الأولى، بدأ قادة العالم حينها الاستعداد لمواجهة كارثة صحية بيئية قدروا أنها واقعة لا محالة. لكن فات عليهم أن التقدم الذي حققته العلوم، الطبية والصحية وقتها، لم يكن يسمح مطلقاً بتكرار انتشار الأوبئة الفتاكة والأزمات الصحية التي اجتاحت أوروبا عقب الحرب الأولى. وبدلاً من ظهور البعبع الصحي المتوقع، فوجئ قادة العالم بأزمة إنسانية من نوع آخر: تشرد ملايين الأفراد ممن اقتلعتهم الحرب من مدنهم وبلدانهم. هذا ما يحدثنا عنه بن شيبارد في كتابه الذي نعرضه هنا، "رحلة العودة الطويلة إلى الوطن". لم تقتصر الجيوش الجرارة للمشردين الذين عرفوا لاحقاً باسم "اللاجئين" على اليهود وحدهم، بل كان بينهم ملايين المنتمين إلى أصول بولندية ولاتفية وأوكرانية ويوغوسلافية، إضافة إلى مئات الآلاف من الألمان. وبينما استطاعت جهود المجتمع الدولي إعادة الكثيرين منهم إلى أوطانهم بعد نهاية الحرب، رفض ملايين آخرون العودة إلى بلدان غيرت الحرب ملامحها وشروط الحياة فيها مرة واحدة وإلى الأبد. وكانت تلك هي الأزمة التي استغرق حلها سنوات طويلة، وأصبحت التركة الأساسية للحرب الثانية. ورغم أن التناول التاريخي للكوارث الحربية، يمثل المضمون الرئيسي للكتاب، فذلك لا يمنع من تأكيد اعتقاد المؤلف بأن بعض القضايا التي شغلت العالم فيما بعد الحرب لا تزال تؤرق المجتمع الدولي إلى اليوم. فمثلاً كيف يمكن أن نجعل من نظام المساعدات الإنسانية نظاماً فاعلاً وناجعاً وسريع الاستجابة للكوارث والأزمات الإنسانية التي تحدث من وقت لآخر؟ وما مدى حالات التشرد الجماعي الواسعة التي تستطيع المجتمعات امتصاصها والتعامل معها وفقاً لسعة بنياتها التحتية وقطاعاتها الإنتاجية والخدمية؟ ومن الأسئلة المهمة التي أثارتها كارثة ما بعد الحرب: كيف يمكن لقوة الاحتلال أن تحقق الازدهار الاقتصادي للمجتمع الذي أخضعته لنفوذها العسكري، مثلما هو حادث في الأسئلة المشابهة التي تثيرها الحربان العراقية والأفغانية الآن؟ وينقسم الكتاب إلى أربعة عشر باباً، تناولت أوضاع مشردي الحرب وتوزيعاتهم الجغرافية والإثنية، والآثار الاقتصادية والنفسية والاجتماعية للتشرد، إضافة إلى استعراض ودراسة هياكل مؤسسات الإغاثة والمساعدات الإنسانية التي نشأت في إطار الأمم المتحدة ومنظمات الغوث غير الحكومية، وكذلك دور الولايات المتحدة الأميركية في جهود العمل الإنساني الموجهة للاجئين. وقد تنوعت وتعددت مصادر مادة الكتاب، لتشمل دراسة وتحليل الوثائق التاريخية، وقصص التاريخ الشفوي، والصحف والدوريات التاريخية، فضلاً عن اللقاءات الحية التي أجراها المؤلف مع عدد من لاجئي الحرب وخبراء الغوث الإنساني. وكما هو معروف، فقد أعيد توطين معظم مشردي الحرب في بداية الخمسينيات وفي عدة دول، منها الولايات المتحدة، وكندا، وأستراليا، وفي أميركا الجنوبية... بينما نظرت بلاد أخرى إلى ذلك الكم الهائل من البشر على أنه مصدر قوة عاملة يجب عدم التفريط فيها. وعليه فقد خاضت الدول المضيفة لمشردي الحرب تنافساً حامياً بينها من أجل الحصول على الأيادي العاملة الأعلى مهارة. وكان اللاجئون البلطيق الأعلى سهماً في سوق العمالة الدولية النازحة عندئذ. وعن الأسباب التي دفعت المؤلف إلى التأريخ لمأساة نازحي الحرب تحديداً، فهو يرى أنها مأساة إنسانية منسية، طالما تجاهلها المؤرخون الذين انصبت عيونهم واهتماماتهم على الفظائع الأخرى التي خلفتها الحرب، مثل جرائم الهولوكوست، والدمار الاقتصادي للحرب، وما تلاها من عواقب مثل الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي والسوفييتي. وفي رأيه أن من واجب المؤرخين تناول مأساة اللاجئين التي خلفتها الحرب العالمية الثانية، لصلتها المباشرة بجهود حل النزاعات الدولية التي لا تزال تؤرق المجتمع الدولي إلى اليوم. عبدالجبار عبدالله الكتاب: رحلة العودة الطويلة المؤلف: بن شيبارد الناشر: مجموعة نوبف دابلداي للطباعة والنشر تاريخ النشر: 2011