تشكّل مادة التربية الوطنية أحد المناهج الدراسية الرئيسية في مختلف النظم التعليميّة في العالم، لأنها المدخل الذي يمكن من خلاله تعزيز قيم الولاء والهُويّة والانتماء إلى الوطن، من خلال ما تغرسه في نفوس النشء من قيم إيجابية تنمّي لديهم مهارات التواصل والمشاركة الإيجابية مع أفراد المجتمع من أجل خدمة الوطن وتطوّره، والانصياع للأنظمة والأعراف الاجتماعية الأساسية السائدة فيه. من هذا المنطلق تشكّل "وثيقة التربية الوطنية" التي تعتزم وزارة التربية والتعليم طرحها للنقاش عبر المواقع الإلكترونيّة الرسمية الحكومية، خلال شهر مايو المقبل، أهمية كبيرة، ليس لأنها تؤكّد الاهتمام الذي توليه الدولة لهذه المادة بصفتها لبنة مهمّة في تنشئة الطلاب، وإنما كذلك لأن هناك حرصاً واضحاً من جانب الوزارة على إيجاد نقاش مجتمعيّ حولها، بحيث تأخذ في الاعتبار الخبرات والإمكانات المتوافرة كافة لشرائح المجتمع جميعها في تطوير هذه الوثيقة، وتحويلها إلى منهج متطور وعصري يستوعبه الطلاب بسهولة ويسر، وتفهّم معانيه المختلفة. توجُّه وزارة التربية والتعليم نحو تطوير "وثيقة التربية الوطنية" أمر مهم ينطوي على مردودات إيجابية عديدة، أولها أنه يصبّ في خانة تعزيز الولاء والانتماء في نفوس أبنائنا الطلاب، خاصة إذا ما تحولت هذه الوثيقة إلى منهج للتربية الوطنيّة، يسهم بدوره في تزويد الطلاب بمهارات وقيم معرفية تؤهّلهم لأداء حقوق المواطنة والاندماج والمشاركة مع أفراد المجتمع بفاعليّة، سواء في العمل التطوعي أو التنموي الذي يخدم اقتصادنا الوطنيّ، وهذا لن يتحقق إلا من خلال تنشئة الطلاب على مفاهيم الانتماء إلى الوطن، وطرح ثقافة العمل التطوعيّ والاجتهاد والحرص على مصالح الآخرين، وتعزيز مفاهيم الفخر والاعتزاز بعطاء الوطن وقيادته، من أجل العمل على تنمية خيراته وثرواته وتقدير جهود رموزه، وهي منظومة القيم التي ينبغي أن تكون حاضرة في دروس منهج التربية الوطنية كلّها. ثانيها أن التوجّه نحو الاهتمام بمنهج التربية الوطنية أمر ضروريّ لمواجهة التأثير المتنامي الذي تتركه الثقافات الوافدة في شخصيات أبنائنا الطلاب، وهنا يبرز دور التربية الوطنية في غرس الولاء والانتماء والفخر كقيم معنويّة رمزيّة هائلة تستهدف تكوين شخصية إيجابية لأبنائنا، تكون قادرة على ممارسة الفرز والانتقاء في مواجهة موجات المدّ والجزر الثقافي والحضاري الذي تشهده الدولة، نتيجة وجود جنسيات وثقافات مختلفة على أراضيها، وبما يضمن ترسيخ الشعور بهُويّتنا الوطنية، لأنه كما يقول صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله؛ "إن من لا هُويّة له، لا وجود له في الحاضر، ولا مكان له في المستقبل". ثالثها أن منظومة القيم الإيجابيّة التي يتعلمها الطلاب من منهج التربية الوطنية في مراحل الدراسة الأولى أشبه بخريطة طريق استرشادية تساعدهم على كيفيّة التعامل مع المجتمع، لأنها تتضمّن مجموعة من المبادئ والأهداف الرئيسية، كالاهتمام بالثقافة المجتمعية، والحفاظ على الهُويّة الإسلامية والعربية للمجتمع، والتعرّف على الأدوار المختلفة للمؤسسات السياسية للدولة، وخصائص نظامها الاتحادي، وكذلك التعرّف على النظم والقوانين والقواعد في البيت والمدرسة والمجتمع، وهي قيم ضرورية تسهم في إيجاد إطار مهم للتربية، يسهم في تعميق الشعور العام لأبنائنا الطلاب بانتمائهم إلى وطنهم، ويزيد من شعورهم بالفخر بهُويّتهم الوطنية، ويحثهم كذلك على بذل مزيد من الجهد والعمل من أجل رفعة هذا الوطن وتقدّمه، وإعلاء شأنه ومكانته بين دول العالم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.