نادراً ما تختصر عبارة واحدة سيرة حياة إنسان. وقد فعلت ذلك عبارة "لا يُصَّدَق!" التي كانت عنوان رسالة التعزية بوفاة عالم الفضاء اللبناني الأصل مصطفى شاهين. بعث الرسالة إلى أهل وأصدقاء الفقيد شارل العشي، وهو لبناني الأصل أيضاً يرأس مختبر "الدفع النفاث"، وفي هذا المختبر الذي يُعتبرُ أكبر مختبرات وكالة الفضاء الأميركية، عمل شاهين أكثر من نصف قرن، وغادره فجأة مضيئاً كالشهاب سماء علوم الفضاء. و"لا يُصَّدَق" كيف لهجتُ بالعبارة وأنا أضرب كفاً بكف كبسطاء الناس في بلادنا عندما يتفجعون، وطالما ردّدتُ العبارة منذ أول لقاء بشاهين ربيع عام 1991 حين كان رئيس علماء مختبر "الدفع النفاث" الذي يضم أكثر من ألف عالم. وشاهين من أول علماء هذا المختبر الذي أنجب العصر الذهبي لعلوم الفضاء، حيث التحق به بعد حصوله على الدكتوراه في الفيزياء من جامعة "بيركلي" عام 1960، وشهد فيه تطوير مركبات "رينجر" التي استكشفت القمر قبل هبوط الإنسان على سطحه، و"فايكنغ" التي أرسلت إلى كواكب "المريخ" و"الزُهرة" و"عطارد"، ومركبة "فوياجر" التي استكشفت "المُشتري" و"زُحل" و"أورانوس" و"نبتون"، وعثرت على أربعين قمراً مجهولاً لتلك الكواكب قبل أن تنطلق في رحلتها الأبدية خارج المنظومة الشمسية. وشاهين بين أول من كانوا قد يعلمون إذا أقبل نيزك نحو الأرض، أو انهار المناخ العالمي، أو وصلت رسالة من سكان الفضاء. فمنذ توليه رئاسة علماء المختبر عام 1984 أعيدت كتابة علوم الكون، وحدثت استكشافات عظمى، كرحلة المسبار الفضائي "ماجلان" الذي قطع مسافة 1300 مليار كلم، دار خلالها حول الشمس حتى بلغ "الزُهرة"، واخترق جوّها المغطى بغيوم كثيفة، والتقط لأول مرة في تاريخ علم الفلك صوراً لهذا الكوكب الساحر، الذي يسطع في سماء الأرض عند الفجر. وفي عام 1989 أطلقت مركبة "غاليليو" في رحلة استغرقت 6 سنوات، قامت خلالها بعمليات التفاف خارقة، مستفيدة من قوة جذب ودفع الكواكب، حتى بلغت "المشتري" سنة 1996 والتقطت له صوراً غيرت النظرة لهذا الكوكب، الذي يعادل أربعين مرة حجم "الأرض" وكان يمكن أن يصبح نجماً بذاته. وقد نجد في أوراق شاهين كيف تحققت في تسعينيات القرن الماضي، التي شهدت بداية تقليص واشنطن موازنات الفضاء، منجزات فريدة؛ كإطلاق مرصد "هابل" الذي جعل سكان الأرض يسمعون لأول مرة أصواتاً قادمة من مليارات المجرات، ويرون أحداث نشأة الكون قبل مليارات السنين. و"لا يُصَّدَق" أن يستعيد عالِمٌ في القرن العشرين تقاليد علماء عصر النهضة العلمية الإسلامية في الجمع بين المسؤوليات الإدارية، والبحث والتطوير. فعل ذلك شاهين الذي طوّر، وهو في مقتبل عمره، طريقة حسابية دقيقة اشتهرت باسم "الطريقة الاسترخائية" لقياس حرارة وتركيب مناخ كواكب "الأرض" و"الزُهرة" و"المريخ" و"المشتري". ثم طوّر الطريقة المتعددة الأطياف التي تستخدم أشعتي "تحت الحمراء" و"المايكرويف" لرصد الغيوم من بعيد، وأمكن بواسطتها إجراء أول مسح لحمل حرارة سطح الكرة الأرضية عام 1980. ومن دون أن يتخلى عن مسؤولياته الإدارية ترأس شاهين، لعشر سنوات، "الهيئة الدولية لدرس دورة الطاقة والمياه في الكرة الأرضية"، ولم يتوقف أثناء ذلك عن مشروعه الأساسي في تطوير المسبار الفضائي "آيرس" الذي يرصد دورة الأمطار في الطبيعة. وإذا كان "لا يُصدَّقُ" تخلي شاهين عن منصب "رئيس العلماء" وتفرغه لمسباره الذي أطلقه عام 2002، فأكثر ما "لا يُصدَّقُ" بيان "وكالة الإرصاد الجوي والمحيطات" الأميركية حول "زيادة لا مثيل لها قدمها المسبار في تحسين التوقعات الجوية". ويعني بلغة الأرقام توفير مليارات الدولارات وحفظ ملايين الأرواح في التنبؤ المبكر بحركة الرياح والعواصف والأعاصير وغيرها من الكوارث. وقبل يومين من وفاته بنوبة قلبية، تحدث شاهين في حفل منحه أول جائزة يقدمها "مؤتمر رصد منظومة الجو والمحيطات وسطح الأرض"، وبدا حديثه لرئيس المؤتمر "لا يُصَّدق بالنسبة للحضور، الذين كانوا يتبادلون النظر". ويمكن فهم تعاظم حرص المجتمع العلمي العالمي على مطالعة تقرير شاهين عن جيل جديد من "المسبار الفضائي" كان سيقدمه نهاية الشهر، بعد الإعلان عن قياس المسبار الحالي بشكل غير متوقع نسبة غازات ثاني أوكسيد الكربون المسؤولة عن تغير المناخ العالمي، ورصده براكين وزلازل عالمية وقعت أخيراً. وبالنسبة لي كان اللقاء بشاهين فرصة العمر لطرح أسئلة محيرة تولد في ذهن أطفال البلدان العربية الذين يستغرقون في النوم ليالي الصيف تحت سماء مكشوفة. وقد اعتذرتُ في ختام حديث حول موضوع "تغير المناخ العالمي" بأن السؤال يهمني شخصياً، وأضفتُ عندما شعرت بالورطة "جداً"، وسألته متلعثماً كالأطفال: "بروفيسور شاهين، هل توجد كائنات حية غيرنا في الكون"؟ وكتمتُ بصعوبة ضحكات حبور عصبية، وأنا أتابع حديثه الجدي، وهو يشير إلى صورة مجرة "درب التبانة" على امتداد الجدار خلف مكتبه، ويقول "الأرض والمنظومة الشمسية ليست سوى نجم واحد من مليارات النجوم في مجرة "درب التبّانة" وهي واحدة من مليارات المجرات في الكون". والتفت نحوي، وقال: "حساب بسيط لفرصة نشوء حياة في الأرض يكشف عن احتمال وجود أكثر من 400 ألف حضارة مشابهة لحضارة الأرض في مجرتنا وحدها". وجفلتُ عندما تطلع فيّ وقال: "يا محمد، من يدري، لعل رسائل كهذه تصل إلى الأرض لكننا نجهل قراءتها". هل بلغتْ شاهين تلك الرسالة قبل رحيله المفاجئ مساء 24 من الشهر الماضي؟ قد تضئ الجواب عبارة شاهين في موقع "ناسا" على الإنترنت: "عملي البحثي يقرر أين سأكون، وما سأفعله خلال معظم حياتي اليومية، وبواسطته يتكون إطار تفاعلاتي وأفعالي المتبادلة والتزاماتي، ويفرض الانضباط. مع ذلك فأنا أنصرف بين آن وآخر إلى لحظة تأمل، والتفكير بشكل كبير، والتفكير بشكل صغير بأشياء عدة: كيف سأغامر، وكيف سأواجه الخيبات، وكيف أصبح الشخص الذي أريد أن أكونه". و"لا يُصدَّقُ" منح أول جائزة نوبل في البيئة لنائب الرئيس الأميركي السابق آل غور بدلاً من شاهين، كما "لا يُصدَّقُ" ليس عدم منح شاهين جائزة مؤسسات علمية وأكاديمية عربية تستثمر مليارات الدولارات في مشاريع الطاقة والبيئة والمناخ، بل عدم منح الوطن العربي شاهين وعلومه؟ مسائل كهذه لن يكتفي جيل جديد من العلماء العرب بإثارتها، بل سيطلق بها ما "لا يُصدَّقُ" من ثورات تبعث النهضة العلمية التي يتلهف لها العرب والمسلمون منذ قرون. فالمدهش في سيرة شاهين، ليس فقط الكون المهيب الذي ساهم باكتشافه، بل أيضاً العقل البشري المهيب الذي اكتشف هذا الكون.