ثقافة اللاعنف قارة مجهولة في الثقافة العربية، والبعض يظنها استسلاماً وخنوعاً، وصنف يرى أنها تعطيل للجهاد، لكن المقاومة المدنية التي رأيناها في الساحة العربية مؤخراً أصبحت مدرسة قابلة للتعميم، بل أقول إني شخصياً تفاجأت بالأحداث تنتصر لفكرة اللاعنف وكيف تمسك الناس بهذه العصا السحرية للتغيير! وما أتى به غاندي هو في الحقيقة نهج الأنبياء في تغيير النفوس والمجتمع دون إكراه، لكن أثر غاندي في ثقافتنا كان ضعيفاً لأنه غير مسلم، رغم أنه كان خليطاً من الأفكار والثقافات والديانات. خلال لقاء في عمان دعينا له عام 1995 في منتدى سجى الفني، لاحظت غرابة مفاهيم اللاعنف التي كنا نطرحها، وكان صديقي حصيفاً حين انتبه على نحو مبكر لهذا اللون من التغيير، فقال: ياجماعة، إنه أسلوب جديد تأملوه فهو غير ما اعتدناه. نعم، كان أسلوب اللاعنف الذي عرضناه في تلك الجلسات مثار نقد وسخرية وتعجب واستهجان. وفي إحدى الجلسات أدليت برأيي حول المقاومة السلمية وأسلوب اللاعنف، مشيراً لآيات سورة المائدة عن صراع ولدي آدم، فعلَّق مفكر وقال: إنه أمر لم يتحدث به قبلك أي مفسر! ثم رأيت كيف أنه ومن معه استخدموا هذا الأسلوب في صراع ساحة التحرير ففازوا فوزاً عظيماً. وكان اعتراضه أنني قلت إن هذا المفهوم هو من الآيات الست الموجودة في سورة المائدة عن صراع ولدي آدم من كلمتي (الخاسرين والنادمين) بأن القاتل دخل في مذهب المقتول بعد قتله، فهو لم يدافع عن نفسه وتقبل الموت بصدر عارٍ فقتله أخوه، وهذا أسلوب نفسي مهم في تغيير عقيدة الخصم. وكان النقاش يدور حول التغيير الاجتماعي، وأن ابن آدم الأول رفض أن يدخل إلى ميدان القوة ولو جره الآخر إليه، فقال: لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين. ومن أعجب الأمور التي سمعتها في 21 مارس 2011 من ساحة التغيير في اليمن، أن أحد الشباب ردد نفس الكلمات فأمسكت رأسي لا أكاد أصدق أين وصلت ثقافة اللاعنف! وخلال لقائنا في عمان ضحك المذيع الراحل رحمه الله من فكرة المقاومة اللاعنفية، وقال: إن التاريخ كله دماء، فماذا تقول؟ قلت له: يكفي أن تعلم أن أعظم تغيير في التاريخ الإنساني، وقد تم بنجاح كامل في تحويل المجتمع سلمياً، كان ما فعله النبي العدنان عليه أفضل الصلاة والتسليم، وكان بأسلوب سلمي إزاء قوم اعتادوا الحرب والضرب. ما زالت تلك الجلسة محفورة في ذاكرتي لأنني أصغيت للأقوال حتى إذا انتهى الجميع من الحديث كان جوابي: إن ما عرضتموه من حجج ضد الأسلوب اللاعنفي في تغيير السياسة والمجتمع ليست جديدة، بل عندي من الحجج الإضافية ما يمكن أن أزودكم بها، لكن لماذا أجعل مهمتكم سهلة. فقال أحدهم: لا تسمعوا لما يقوله هذا الرجل، فنبيه غاندي، ويعتمد آية نسختها آية السيف. وإن كان أملي هو مثل أمل الطبيب في البنسلين وتثبيت الكسور بالحديد واستخدام الرنين المغناطيسي لمعرفة الأورام، أي أن الخلاف الإنساني ينتهي حين تتحول الأفكار إلى علم. وفي قناعتي أن كافة التيارات بدأت تؤمن بهذا الترياق للاستعمال ليس عن معرفة منهجية كما هو الحال في ابتلاع حبوب الأسبرين والباراسيتامول للصداع، فالناس لا تعرف تركيبه الكيماوي ولكنها تبتلعه لعلمها أنه يشفي ويزيل الصداع.