يبدأ الفرنسيون اليوم حواراً وطنياً حول "العلمانية ومكانة الإسلام في المجتمع"، وقد نادى به الرئيس الفرنسي ساركوزي في منتصف فبراير الماضي عندما أعلن عن فشل التعددية الثقافية في المجتمع الفرنسي قبل أن يقول بالحرف: "لا أريد مجتمعا تتجانس فيه الجاليات؛ إذا أردنا المجيء والعيش في فرنسا، فلابد أن نقبل بمجتمع واحد وهو المجتمع الوطني؛ ومن يرفض هذه البديهية فلا يمكنه أن يأتي إلى فرنسا". وأثارت تصريحات ساركوزي جدلاً كبيراً داخل الأوساط الدينية والثقافية والسياسية؛ ففي مقالة بعنوان "دون أي ذهنية جدلية أو انحيازية"، نشرته قبيل أيام صحيفة "لاكروا"، ذكر ممثلو المسلمين والكاثوليك والبروتستانت والأرثوذوكس واليهود والبوذيين، في فرنسا، بأن "العلمانية من ركائز الميثاق الجمهوري ودعائم الديمقراطية الفرنسية وأسس الرغبة المشتركة في العيش المشترك"، قبل أن يضيفوا: "ولنحرص أشدّ الحرص على عدم تقويض هذا المكسب الثمين، لأنه من المهم جداً في هذه الفترة التي تسبق الانتخابات الرئاسية الحفاظ على المسيرة، بتفادي الخلط ومخاطر الإقصاء". أصبح الإسلام اليوم هو الشغل الشاغل للسياسيين الأوروبيين وبخاصة الفرنسيين منهم؛ فدور النشر الفرنسية تعج مثلاً بكتب متوسطة وكبيرة الحجم عن الهجرة وإدماج المسلمين وما يطرحه من مشاكل الهوية وتبعاتها الاقتصادية والاجتماعية، بعد أن تراجع الكتاب المختصون في الإسلاميات والجماعات الإسلامية عن نشر أبحاث وكتب حول "القاعدة" وخطورتها في المجتمعات الغربية، وبعد أن تراجعوا عن تهويل الأحزاب الإسلامية وكل ما يمكن أن تحدثه من اضطراب وبلبلة داخل الدول العربية... فجيل كيبل وأوليفي روا وألكسندر ادلر (وهم من كبار المختصين في الأحزاب الإسلامية العربية وبعضهم يتحدث اللغة العربية) اختفوا فجأة من الصالونات الباريسية، لأن كل نظرياتهم عن العالم العربي وبالأخص عن المغرب العربي ومصر كانت تقول بأن التغيير مستحيل والسلطوية تعمقت جذورها، وإذا قدّر الله تغييراً فإن مقاليده موجودة عند الإسلاميين، وإذا أحدثوا هذا التغيير فستكون طامة كبرى ومصيبة آزفة وداهية عظمى ليس لها من دون الله كاشفة، لا على مجتمعاتهم فحسب بل وحتى على الدول الأوروبية مجتمعة بحكم القرب الجغرافي والتاريخي وتواجد جالية مغاربية مسلمة تتأثر بتلكم العوامل وبإمكانها نقل الفيروس بسرعة البرق... لكن فاجأتهم الثورات العربية والشوارع العربية التي عرفت حراكاً شعبياً شبابياً بالدرجة الأولى، حيث نادى الجميع بالدولة المدنية والحرية والمواطنة الكريمة الشريفة، وبالشعب كمصدر للسلطة وصاحب السيادة في تحديد مصيره، وبناء مستقبله وفق ما يريده وما يرضاه ويستجيب لطموحه وتطلعاته، وأحدثت هذه الثورات شرخاً في جدار نظرياتهم التي كرروها منذ أكثر من عقدين من الزمن وبنى القادة الأوروبيون سياستهم الخارجية عليها. قلنا هنا مراراً إن الدواعي الانتخابية وضرورة حشد عدد أكبر من عدد الناخبين، هو الذي يجعل الجسم المجتمعي الأوروبي مريضاً بالصور النمطية عن الإسلام والمسلمين، ويجعل المواطن الأوروبي يتغذى يومياً بتلك الخزعبلات التي تصبح مع مرور الوقت حقائق كوجود الهوية المرجعية في خطر والثقافة الوطنية في مأزق، واستشهدنا ذات مرة بالفيلسوف الألماني هابرماس الذي ندّد بوصول نخبة لا سياسوية إلى الحكم بعيدة كل البعد عن قواعد السياسة واَليات الحكم، وذكرنا على سبيل المثال الأرستقراطي الألماني كارل ثيودور كوتنبرغ والذي كان عند كتابة تلك السطور وزيراً للدفاع قبل أن يستقيل من منصبه بسبب فضيحة دكتورته التي نقلها، وكشفها مستعملو الإنترنت الشبان الذين جمعوا في أقل من أربعين ساعة العديد من الفصول المنقولة. المشكل الذي يطرحه اليوم النزهاء من المختصين الفرنسيين والأوروبيين هو خطورة استطلاعات الرأي المغرضة والموجهة. فهناك استطلاعات رأي تخدم الأجندات السياسية ولا تقول الحقيقة؛ فعندما تطرح الأسئلة بطريقة خاطئة ومبيتة، تصبح الأجوبة سامة وتحدث تأثيراً مباشراً على أكثر من ستين مليون فرنسي بينما عدد المستجوبين لم يكن ليتعدى الألف أو الألفين؛ وهنا يقع المشكل، لأن تلك الصور النمطية عن المسلمين تتعقد وتكبر في أذهان الجميع: كصلاة المسلمين في الشوارع يوم الجمعة بعد امتلاء المساجد، وكلمات "لحم حلال" في أبواب المطاعم والمتاجر، والبرقع، واللهجات العربية التي تسمع في الحافلات وأماكن العمل إلى غير ذلك. لكن القليل من يعرف مثلا أن سبب صلاة المسلمين في الطرق يرجع إلى السياسات العمومية التي تماطل في إعطاء رخص لبناء المساجد أو توسيعها كما هو الشأن بالنسبة لليهود؛ وإذا لم نقبل باستعمال العرب للغتهم خلال الأحاديث التي تدور بينهم، وتناولهم للحم الحلال، فأين نحن من التعدد الثقافي، ومعاهدات حقوق الإنسان، والحريات العامة التي تخول للإنسان حق استعمال لغته وممارسة شعائره؟ ثم لماذا لا تتجه استطلاعات الرأي إلى استجواب المسلمين أنفسهم لمعرفة مدى اندماجهم في المجتمع الفرنسي ومدى تجاوبهم مع الهوية الوطنية؟ ولماذا لا تقوم بدراسة سوسيولوجية في هذا الميدان؟ أظن أنه لو كانت لها الجرأة في ذلك لاكتشفت أن المشكل ليس دينياً، وإنما هو اقتصادي واجتماعي وثقافي وأن هناك غموضاً وارتباكاً في الأذهان مرده نسيان أو تجاهل فشل السياسات العامة الاقتصادية والاجتماعية في القضاء على غيتوهات السكن اللامقبول، وإدماج العاطلين في العمل؛ فبدل أن يلام الساسة في الحكم والمنتخبون في السياسات العمومية، يلام دين بأكمله على أنه أصل الداء وأنه الفيروس القديم والجديد! علم الفيلسوف مونتسكيو الفرنسيين أن الأمن الوطني يكمن في العيش المشترك "بدون خوف من أي مواطن"، وأظن أن الاتجاه الذي تأخذه فرنسا سينمي من كراهية الفرنسيين للمسلمين وسيصبح الأمن الوطني والتوازن الاجتماعي في خطر.