منذ أحداث سبتمبر والتاريخ تعاد صياغته ليبعد عن التطرف الديني لدرجة سقوط البعض في فخ من اللاموقف، وفي إعلان ضمني للاستسلام اللاواعي لكل اتهامات تزعم بأن المسلم متهم حتى لو كان بريئاً، لدرجة أن تاريخ الحضارة الإسلامية والدين الإنساني العظيم لم يعد في بعض البلدان الإسلامية يعرض على طلاب التاريخ، بل صار تفريغه أمراً مثيراً للشفقة في وقت من يذهب فيه للعالم الصهيوني يجد كل ما يريد وما لا يريد. واليوم انقلبت المواقف عن بكرة أبيها وصار التاريخ يكتب ذاته، لأن أحداً لم يعد يملي عليه بماذا تمتلئ جوانبه، فتداعيات الثورات... وقبلها وقائع "ويكيليكس" استدعت الحقيقة للمثول بين يدي من لا يبحث عنها. وتكشفت عورات كثيرة رغم كل الاحتياطات والمحاولات القاتلة في إخفاء الشمس والقمر وإبقاء السماء بلا لون محدد. فمن يكتب التاريخ لم يعد يملك الحبر السري الذي اعتادت عليه الشعوب المقهورة، فقد تواطأت الثورة مع كل الأقلام والأوراق لإيقاف نزيف الأكاذيب ببطولات مزعومة وبشرق مراوغ. واليوم هنالك من يوجه انتقادات للبعض بخلق أعداء وهميين، وابتكار تاريخ يضج بالضحايا. فلولا هذه الثورات وهذا الغضب العربي المتفجر بعد عقود من القمع والتسلط والتعذيب والإقصاء، لما تملكت البعض هذه الجرأة في كشف ممارسات أقل ما توصم بها هو اختلاق الأوهام لتبرر بها وجود فكر سياسي معين. فالكذب لم يعد له مكان... ولم يعد التاريخ يحتمل المزيد من المهرجانات الوهمية التي امتلأ بها التاريخ سابقاً، حتى صور بعض الزعماء الذين ادعوا بأنهم صنعوا تاريخ بلدانهم بدأت في التساقط الفج، الذي كشف كل عبثهم بمقدرات شعبهم. لم يعد التاريخ طيعاً أو سهلاً أو يرضى بسرقته الحقيقية، إنها نقطة الختام التي جاءت بها الثورات في بعض البلدان، ولا يهم إنْ كانت النهايات سعيدة أم لا، المهم أن تزييف الحقيقة لم يعد يجدي، ولم يعد ينطلي على الصغار الذين سيقرأون التاريخ بعد سنوات، وسيكون إعجابهم فقط ل بالشعوب وحدها التي قالت لا لمزيد من الأكاذيب. على العالم العربي والإسلامي اليوم أن يلتفت لبناء الحاضر ويتطلع لبناء يستطيع الصمود ليصل إلى المستقبل بأمان، فليس عليه بعد اليوم أن يخشى من أن يسرق الكذب تاريخه، بل أن يقص الآباء للأطفال التاريخ الحقيقي دون رهبة الاتهام بأي تهمة، فالعرب باتوا شعوباً حرة.. وواثقة من أنها مفعمة بإنسانية صرفة قبل كل اعتبار. بعد سقوط الأقنعة لم يعد لديّ أبداً أي خوف من أي اتهام، فقد صارت بعض الأنظمة هي المتهمة حتى إشعار آخر، وربما لو كانت عناصرها قرأت التاريخ قبل أن يوصم بأكاذيبها لاعتبرت وصارت من ذوي الألباب.