لقد وصل الربيع مبكراً هذه السنة البلاد العربية، وتساقطت كراسٍ وتزلزلت عروش كانت قد رسخت أقدامها بالحديد والنار لعقود. حسمت الشعوب تلك خيارها، فأنهت عقوداً من الشتاء المظلم بالاستبداد والتسلط والفساد. قالت الشعوب كلمتها "ارحل" بنتويعات لغوية ومرادفات. لقد اختارت الشعوب العربية السائرة على نهج الشعبين التونسي والمصري طريقاً لا رجعة فيه ولا تراجع، فانهدت جبال الخوف، وخرت جدران الصمت، وخرجت الشعوب من جمعة إلى جمعة، ومن ميدان إلى ميدان، فنجحت ثورات الشباب فيما عجزت عنه المعارضة العربية العلنية والسرية في الداخل والخارج. لقد نجحت الثورات العربية في مصر وتونس، لأنها لم تكن ثورة عمائم، بل كانت ثورة شباب يبحث عن التغيير، يتطلع للمستقبل، يطالب بلغة العصر بالديمقراطية والمشاركة، وتعزيز المواطنة والانتماء للوطن وطناً للكل لا لدين على حساب آخر، ولا لطائفة على حساب الأخرى. الوطن أولاً وأخيراً... لا ولاءات عابرة للحدود، ولا أجندات خارجية... لقد رسم المسيحيون في مصر أقوى صور التضامن مع مواطنيهم المسلمين في مشهد الصلاة في ساحة التحرير قبل أن يسقط الرئيس المصري السابق، وبعد غزوة البلطجية لميدان التحرير. ولم يحرق المتظاهرون أعلام دول أجنبية، ولم يستوردوا معضلات دولية يتظاهرون من أجلها، بل سيطر الشأن المحلي على الصورة، فكان ترتيب البيت الداخلي يتصدر اهتمامات المحتجين ومن ثم يأتي الآخر. امتازت الحركات الشعبية والمظاهرات في معظم البلدان العربية بنكهة شبابية، فكانت المظاهرات موجهة بالأساس للسلطة الأبوية للحاكم، للطغاة المزمنين. حركات غلب عليها الطابع العلماني الديمقراطي، فالثورة التونسية، ومن بعدها الثورة المصرية، نادت بقيم الديمقراطية والعدالة عى الرغم من تدين المتظاهرين من إسلاميين ومسيحيين في سلوكهم الشخصي، إلا أن الدولة الدينية لم تعد خياراً مطروحاً أو مقبولًا، ولعل نماذج الدول الدينية في الشرق الأوسط كافية للابتعاد عن استنساخ دول وجمهوريات العمائم . فقد أظهرت التطورات الأخيرة ضعف القاعدة الشعبية للحركات الإسلامية المتطرفة، فـ"القاعدة" لم تؤسس لها واقعياً، قاعدة شعبية في العالم العربي، وعلى الرغم من سنوات من تداول أكذوبة السلطات الحاكمة بالقبول بهم كأمر واقع، وخيار أوحد، أو أن تتحول الأنظمة العربية، إلى أنظمة إسلامية تحكمها "القاعدة" وأخواتها، وثبت عملياً كذب تلك الادعاءات في مصر وتونس، ولكن القذافي لايزال في غيه يهدد الدول الغربية بسيطرة "القاعدة" إن سقط نظامه. من التالي؟ سؤال يتردد إعلامياً وشعبياً. ثلاث دول عربية مرشحة لسباق التغيير: ليبيا، اليمن وسوريا، ففي سوريا كان خطاب الرئيس السوري 30 مارس مخيباً للآمال، فلم يعلن عن إصلاحات سياسية بعد أسبوعين من انطلاق مظاهرات واحتجاجات دامية، بل أعلن عن مؤامرة خارجية هدفها تفكيك سوريا وإثارة الفِـتن الطائفية فيه، إنها الأيادي الخفية التي تحرك الشعوب العربية لتتظاهر كل جمعة مطالبة بتغيير النظام، وهي ذات المؤامرة الخارجية الإسرائيلية- الأميركية التي تحدث عنها الرئيس اليمني، بعد أن شهدت معظم المدن اليمينية مظاهرات شعبية حاشدة، وعلى مدى الأسابيع الماضية، وتصاعدت حدة عنف قوات الأمن في مواجهة التظاهرات والاعتصامات المستمرة. إن لنجاح ثورتي تونس ومصر الفضل في انطلاق ربيع العرب، الذي هبت نسماته في أكثر من بلد عربي، قد يكون ربيعاً دامياً، ولكن أزهار الحرية والديمقراطية والعدالة سيفوح شذاها لأجيال قادمة.