استمع الشارع التونسي بكثير من الانتباه الى المقابلات التلفزيونية الطويلة مع "عبد الفتاح مورو" الوجه الإسلامي المعروف الذي اشترك مع "راشد الغنوشي" في تأسيس حركة "الاتجاه الإسلامي" عام 1981. غاب الرجل طويلاً عن المشهد السياسي منذ اختلف مع قيادة "حركة النهضة"(الاسم الجديد للجماعة) في بداية الستينيات في استراتيجية المعارضة العنيفة التي اعتبر أن قيادة حزبه المحظور انتهجتها إزاء نظام "بن علي" الذي نكل بشدة بالتنظيم الإسلامي الذي حصل على المركز الثاني في الانتخابات البرلمانية المنظمة عام 1989. قضى "مورو" العشرين سنة الأخيرة بعيداً عن الأضواء، معتزلاً العمل السياسي والنشاط الدعوي الذي عرف به أيام كان خطيباً مفوهاً في المساجد التونسية. وبعد أحداث الثورة الأخيرة، ظهر مجدداً على المعترك السياسي، وفوجئ الجميع بإقصائه مع بعض الوجوه الإسلامية المعروفة من لائحة مؤسسي حزب "النهضة" الذي نال الاعتراف القانوني. تحدث "مورو" في لقاءاته الإعلامية عن خلفية عزله من الحركة التي ارتبطت تاريخياً باسمه، وبدا من الجلي من أطروحاته النظرية ومواقفه السياسية أن خلافه مع رفاقه السابقين لا ينحصر في الاستراتيجيات وآليات العمل السياسي، وإنما يتعلق بالمنهج والرؤية والخلفية النظرية والفكرية. بدا "مورو" في خطابه ليبرالياً منفتحاً، يرفض فكرة "الدولة الدينية"، ويدافع عن مدونة تحرير المرأة التي أصدرها "بورقيبة" في نهاية الخمسينيات، وتبنى بقوة الحريات العامة والخاصة، رافضاً مسلك التشدد والتعصب الديني، معتبراً أن الشرعية الإسلامية مظلة تسع كافة ألوان الطيف السياسي، وليست حكراً على مجموعة سياسية بعينها. وفي الوقت الذي تم الترخيص القانوني لحزب "النهضة"، نال تشكيل إسلامي آخر يحمل اسم "حزب الإصلاح والتنمية" الاعتراف الشرعي، وأصبح الوجه الفكري المعروف "محمد القوماني" ناطقاً رسمياً للحزب وممثلاً له في هيئة الحوار السياسي التي أنشأتها الحكومة الانتقالية. يشكل هذا الحزب امتداداً لتيار "الإسلاميين التقدميين"، الذي انشق في نهاية الثمانينيات عن حزب النهضة إثر مراجعات فكرية ونظرية عميقة. وبالرجوع للمقدمات النظرية التي أصدرها التيار، يتبين أن الأمر يتعلق بقطيعة نوعية داخل المشروع الإسلامي، بالتركيز على قيم الوعي التاريخي والعقلنة النقدية والنزعة الإنسانية المنفتحة وإعادة بناء المنظومة التأويلية الإسلامية. ولا يخفي "حزب الإصلاح والتنمية" ميوله القريبة من "حزب العدالة والتنمية"، التركي الذي انشق عن "حزب الرفاه"، الذي أسسه الزعيم التاريخي للاتجاه الإسلامي "نجم الدين اربكان"، الذي رحل عن عالمنا مؤخراً. نلمس حالة قريبة من المشهد التونسي في مصر التي نال فيها "حزب الوسط"، الاعتراف بعد محاولات كثيرة في عهد الرئيس السابق "مبارك"، في الوقت الذي تجري الترتيبات العملية للترخيص لجماعة "الإخوان المسلمين" بعد ستين سنة من الحظر القانوني. يمثل "حزب الوسط" الجيل الجديد من الإسلاميين الذين انشقوا عن التيار الإخواني بعد مراجعات نقدية جذرية ، طالت مفهوم "الحاكمية" القطبي وشعار "الدولة الإسلامية"(الحاكمة بالشريعة)، مقدماً نفسه بأنه يستند لمنظور حضاري وقيمي واسع، قابل لاستيعاب تركيبة المجتمع المصري في تنوعه الديني والعقدي. ومع أن أدبيات "حزب الوسط" لا تزال في طور التشكل، إلا أن صلة الحزب النظرية بالمفكر الراحل "عبد الوهاب المسيري " معروفة ،لا تحتاج لبيان. ومع أن "المسيري" اشتهر بنقده للعلمانية الغربية، وما تقوم عليه من "عقلانية مادية وعدمية قيمية ونزعة صراعية عدوانية"، إلا أنه كان يصدر في فكره عن أفق حداثي جديد يستخدم عدة نظريات منهجية ورصينة، هي أقرب لأدبيات "اليسار" الأوروبي واتجاهات العولمة البديلة والحداثات الهجينة باسم الاستراتيجية النظرية المستقلة. ليس "حزب الوسط" المظهر الأوحد لتصدع التيار الإسلامي، فقد برزت فعلاً داخل جماعة "الإخوان المسلمين" خلافات حادة حول طبيعة الخطاب ومرتكزات المشروع السياسي للحركة وأولوياته في ظل المعادلة الجديدة، لا يستبعد أن تفضي إلى انشقاقات سريعة. ولا شك أن للتحولات المذكورة الملاحظة داخل التيار الإسلامي علاقة مباشرة بالتغيرات الجذرية التي عرفتها الساحة العربية باندلاع الثورات الليبرالية الأخيرة. فمن الجلي أن خطاب الإسلام السياسي تقمص في صياغاته الإيديولوجية وأشكاله التنظيمية النموذج الستاليني، الذي تبنته التنظيمات السياسية الأخرى، وخصوصاً الأحزاب القومية العروبية. رفع الإسلاميون في الستينيات شعار "حتمية الحل الإسلامي" (على غرار حتميات الماركسيين) وراهنوا على التنظيمات السرية الانقلابية وتمسكوا بالدولة الكلية الشاملة المخولة ببسط العقيدة وفرض التصورات الإسلامية "الصحيحة"، مصطدمين بالإسلام التقليدي وبتركية الإصلاحية النهضوية الحديثة. وفي أتون الصراع الحاد مع أنظمة الحكم، ظهرت داخل التيارات الإسلامية مراجعات خافتة لهذا النموذج الإيديولوجي، أخذت اتجاهات ثلاثة: -الميل لقبول مدونة التنظيم السياسي الليبرالية، بالانخراط في دائرة الشرعية القائمة واستخدام قنوات الحراك والمناورة التي تسمح بها، دون الاستعداد ضرورة لدفع الاستحقاقات النظرية والفكرية لهذا الانخراط الإجرائي العملي. إنه المسلك الذي اعتمدته جل التنظيمات الإسلامية، وإن لم تنجح دوماً في الحصول على تأشيرة الاندماج المنشود. -التخلي عن العمل السياسي النضالي، والنظر الى المشروع الإسلامي بصفته مشروعاً فكرياً وحضارياً طويل النفس وبعيد المرمى، يتعين إخراجه من ضيق الأيديولوجيا ومعترك الصراع السياسي، باستئناف الحركية الإصلاحية الحديثة وجمع تيارات الأمة تحت مظلتها الجامعة. (دعا صالح كركر القيادي السابق في حزب النهضة التونسي الى هذا الخط في مقال شهير عام 1999 أثار جدلاً واسعاً في صفوف الحركات الإسلامية). -تبني القيم الليبرالية الحديثة والعمل من داخلها على تطوير خطاب حداثي يستند للمرجعية الحضارية والأخلاقية الإسلامية، مما يعني التخلي عن أحادية المرجعية الدينية وعقدية الدولة. إنه النهج الذي قام عملياً في تركيا، ويبدو أنه أصبح نموذجاً لبعض الأحزاب العربية الجديدة. تبرز هذه المؤشرات أن المناخ الديمقراطي الجديد رفع سقف المناظرة الفكرية والحوار السياسي في البلاد العربية، وفرض على مختلف الأطراف التكيف معه، بما فيها الطرف الإسلامي الذي طالته كغيره نوازع التنوع والتعددية.