حفل الأسبوعان الأخيران في ثلاثة أقطارٍ عربيةٍ بتطوراتٍ بارزة، والأقطار المعنية هي: ليبيا واليمن وسوريا. والبارزُ في هذه التطورات الداخلة في الحركة الشعبية العربية العامة في الشهور الثلاثة الأخيرة: قدرة الأنظمة في البلدان الثلاثة على الصمود وسط الغليان الشعبي. فما حصل في تونس ومصر من قدرةٍ للجمهور على تغيير النظام، ما تكرر بالسلاسة ذاتها في البلدان الثلاثة، ولا في البلدان المشابهة مثل الجزائر وموريتانيا والسودان. وقد دفع ذلك المراقبين الاستراتيجيين إلى تقسيم المجتمعات العربية إلى قسمين: المجتمعات الصافية، والتي يمكن فيها للجمهور الموحَّد تحقيق إصلاحاتٍ جذريةٍ تَصِلُ إلى تغيير الأنظمة مثلما حدث بمصر وتونس، والمجتمعات الممتزجة أو المختلطة، والتي لا تتوافرُ لها ميزات التوحُّد الاجتماعي القويّ، وهذا النوع من المجتمعات العربية ينبغي أن يتواضع الطموح بشأن ما يمكن تحقيقُهُ فيه على المدى القصير، لذا ينبغي أن تكون قواه الحية على وعيٍ وتفرقةٍ بين تغيير النظام، وتغيير السياسات باتجاه الإصلاح التدريجي، حتى لا تحدث انقساماتٌ اجتماعيةٌ ربما تحولت إلى نزاعٍ أهليٍّ طويل! والواقع أنّ هذا التقسيم التشخيصي، ما قام على دراسة بُنى المجتمعات العربية، وإنما على مراقبة وقائع الأحداث العاصفة خلال الشهور الأخيرة. والواقعةُ البارزةُ في ليبيا واليمن وسوريا، صمود الأنظمة في وجه الضغط الشعبي العارم، وليس الانقسام الاجتماعي بين مؤيِّدٍ ومُعارض. ولا يعني ذلك أنّ البُنى الاجتماعية للبلدان العربية ليس بداخلها تمايُزات؛ بل إنّ تلك التمايُزات القَبَلية أو المذهبية أو الجهوية، ليست من الافتراق والحِدَّة بحيث يَسْهُلُ الاندفاع نحو الحروب الأهلية، إذا تصاعدت المُطالبات الداخلية بتغيير النظام. ولا شكَّ أنّ في اليمن والسودان والجزائر وموريتانيا تمايُزاتٍ جهويةً وقَبَليةً وسياسيةً، بيد أنّ المشكلات التي ظهرت فيها خلال العقدين الماضيين، إنما انصبّتْ على معارضة سياسات السلطة المركزية، إمّا لجهة ضيق وسائل العيش، أو للافتقار للمشاركة السياسية. وإذا كان الانقسامُ الأهليُّ ليس وارداً بقوة حتى في المجتمعات التي فيها تمايُزاتٌ تاريخية؛ فإنه ليس وارداً لأسبابٍ طبقية. فالسلطات العربية في العقود الأربعة الماضية، ما قامت على أساسٍ مذهبيٍّ أو قَبَلي أو جهوي، كما أنها ما قامت على أساسٍ طَبَقي. والذي حدث هو قيام مجموعات صغيرة من ضباط الجيش بانقلاب، ثم التصارع فيما بينهم، والذي ينجح في البقاء والاستمرار، يبني من حوله تحالُفاتٍ من أهل الحزب الحاكم، ومن رجال الأعمال، ومن الأدوار والوظائف الإقليمية والدولية، ثم تسنده في بقائه الأجهزة الأمنية. وإلى أواخر الثمانينيات، كانت لدى تلك السلطات سياسات اجتماعية تأبهُ بعض الشيء للحاجات الأساسية للمُواطنين. ثم تحول الجميع باتجاه اقتصاديات السوق وإعادة الهيكلة، فما بقي للأنظمة "الاشتراكية" غير الرأسماليات الرثة التي أنشأتْها للإفادة من خدماتها على حواشي سلطتها. أين تقعُ صلابةُ بعض الأنظمة إذن في وجه الاحتجاجات، ما دام التعليلُ بهشاشة المجتمعات غير مُقْنع؟ كلُّ المجتمعات العربية بالمشرق والمغرب، هي في حالةٍ ثوريةٍ الآن، وإنما تتفاوت أنظمتها في الصمود للأسباب التالية: السبب الأول: موقعُ الجيش الوطني وموقفُه. فهو قويٌّ وموحَّدٌ، وما تلاعب النظامُ ببنيته الداخلية في كلٍّ من مصر وتونس. وقد قررت قيادتُه أن لا تنحاز للرئيس ونظامه في البلدين، بعد أن تجاوزا كلَّ المعايير الدستورية والزمانية والإقليمية والدولية. وليس الزمن زمن انقلاباتٍ لكي يخرج الجيشُ على النظام، لكن قيادته انتهزت فُرصة الحركة الشعبية، وقررت إرغام الرئيس على التنحّي. والوضعُ مختلفٌ بشأن الجيش في ليبيا والسودان واليمن وسوريا. ففي ليبيا جرى إهمالُ الجيش الوطني منذ مطلع التسعينيات، وأُنشئت كتائب مسلَّحة تسليحاً حديثاً يقودها أولاد القذافي. لذا كان لدى قطاعات الجيش الوطني أسبابُها الخاصةُ للثورة مع الشعب، بيد أنّ إمكانياتها القتالية ما كانت كافيةً لترجيح الكفة، واحتاج الأمر إلى تدخل دولي ما يزالُ مستمراً. أمّا في اليمن، فالجيش في عهد الرئيس صالح صار قوةً ضاربةً، وبنيتُهُ الأساسيةُ ما تزالُ سليمة. وإنما أدخل الرئيس فساداً عليه بعد عام 1994، بتقوية أخيه لأمه على محسن الأحمر (الذي اختلف معه الآن)، وابنه (أحمد)، وأبناء إخوته الآخرين، والحرس الجمهوري، والقوات الخاصة... فانقسم الجيش الآن إلى ثلاثة أقسام: قسم ما يزال مُوالياً للرئيس، وقسم انشقَّ عليه بقيادة أخيه وبعض كبار الضباط الشماليين، وقسم وقف على الحياد (كتائب الجنوب وفِرَقه). وبسبب هذا الانقسام عادت قوة الحسم إلى الشارع، والأحزاب السياسية والقبائل. وحوَّل نظام حكم البشير الجيش السوداني إلى "جيشٍ عقائدي"، لا يُنتظر منه التدخل للتصحيح مهما جرى للسودانيين.. ووضعُ الجيش الوطني بسوريا لا يختلف كثيراً عن وضعه بمصر وتونس من حيث الاتساق في البنية الأصلية. لكنّ القطعات العاملة والفعّالة ضباطُها الكبارُ من فئاتٍ وشرائح وولاءات يأمنُها النظام. لكنّ المشكلة تكمن في الجهات العسكرية والأمنية والاستخباراتية التي ابتدعها النظام عبر خمسةٍ وأربعين عاماً إلى جانب الجيش، وليس تحت قيادة أركانه. وهذا الخليط من الأجهزة هو الذي تدخل بدرعا وبعض المدن السورية. وعندما أراد النظام إظهار "الموضوعية" بعد تهديدات "الفتنة" في اللاذقية، أَرسل "الجيش" إلى المدينة، وليس قوات وزارة الداخلية أو القوات الخاصة أو الحرس الجمهوري. وهكذا فالمنتظر أن يبقى الجيش على الحياد بسبب هذا التقابُل في القوى التابعة له، والأُخرى التابعة لأقارب الرئيس وخُلَصائه. والسببُ الثاني للافتراق في التطورات لدى الأنظمة، هو تفاوُتُ القدرة على التحشيد لدى الشباب، وتفاوُتُ درجات الاستجابة من جانب الفئات العُمرية الأكبر، وارتباط مصالح بعض الفئات بالنظام القائم، والخصائص الجغرافية للبلد المعني. ومعظمُ هذه الأمور ما ظهرت ملامحها وآثارها في سوريا بعد، لأنّ التحرك الشعبي تأخَّر ليظهر في انفجاراتٍ شعبيةٍ متوسطة الحجم حتى الآن. أمّا في ليبيا فالتباعُد الجغرافيَّ بين العناصر الثورية، وضآلة القدرة على التحشيد، وارتباط قسم من الشباب باللجان الثورية... كلُّ ذلك حال دون التحول إلى حركةٍ جماهيرية هائلة تنتصرُ في العاصمة طرابلس، كما انتصرت في بنغازي. أمّا في اليمن فمعظم الحشود جاءت من الوسط والمناطق الساحلية بالشمال. ولذا فإنّ الرئيس الذي ما عاد قادراً على استخدام الجيش، عاد للتهديد بالحشود من خارج الوسط، وللتهديد بانقسام اليمن إلى أربع دُويلات. والسببُ الثالثُ للاختلاف في مجريات التغيير، هو الأبعاد الإقليمية والدولية. فالنظامُ السوريُّ فرض الاستقرار على حدوده مع إسرائيل منذ عام 1974، وتعاون عربياً ودولياً في ملفاتٍ لبنان وفلسطين والعراق. والطريف أنّ الأنظمة العربية التي تُصارعُ من أجل البقاء تتهم دولاً بعيدةً وقريبةً بالتآمُر عليها، وتتهم صُناّعاً للفتنة الداخلية من تلك الدول. والواقعُ حتى الآن (وباستثناء الوضع الليبي)؛ أنّ الدول "القريبة والبعيدة" تريد لتلك الأنظمة الاستمرار، وإنما المطلوب تجديد شرعيتها أو ترميم المتصدّع منها بالإصلاح الجذري.