كلما جمعتني ببعض الساسة القدماء في مصر مناسبة، سمعت منهم سيلاً من المخاوف حول المستقبل يرسم صورة متشائمة للتفاعلات الجارية في المشهد المصري الحالي. اعتدت بعد تأمل أن أجيب إنني لا أنظر إلى سخونة الحركة اليومية والسياسية بأي درجة من التشاؤم، بل إن اليقين يملك عقلي بأن ما تشهده مصر يدل على حيوية فائقة تسعى لقطع المسافات بسرعة وصولاً إلى بر الأمان. كانت المخاوف التي أسمعها حتى الأمس متعلقة في جوهرها باحتمالات إجهاض أهداف الثورة في إقامة مجتمع ديمقراطي وإرساء قواعد النهضة الشاملة وتجسيد حلم الرأسمالية الحميدة القادرة على إطلاق النمو وكفالة العدل الاجتماعي في نفس الوقت. كان أصحاب المخاوف يشيرون إلى إحساس غامض باحتمال قدرة التيار الديني بجناحيه الإخوان والسلفيين، على اختراق القوات المسلحة والتأثير في قرارات المجلس الأعلى. وكنت أرى غير ذلك، وأؤكد أنني على معرفة كافية تسمح لي بالقول إن قيادة الجيش تضع نفسها فوق التيارات السياسية من دون انحياز. ولحسن الحظ إن المتحدث الرسمي باسم المجلس الأعلى للقوات المسلحة أجاب على هذه المخاوف بنفسه يوم الأربعاء الماضي عندما قال بصراحة: "نحن لسنا إخوانجية أو سلفيين ولسنا مع تيار ضد الآخر، إنما نعمل لمصر كلها". نوع آخر من المخاوف تعلق بدلالة الحرية التي ينعم بها مثلث أركان النظام السابق المكون من رئيس مجلس الشعب ورئيس مجلس الشورى ورئيس الديوان الجمهوري، وكان حديث المخاوف يصل إلى توقع قيام هذا المثلث بتنفيذ مخططات مضادة لأهداف الثورة، وهو حديث لم أكن أجد إجابة عليه تطمئن أو تنفي المخاوف، إلى أن أصدر مساعد وزير العدل لشؤون الكسب غير المشروع قراراً يوم الخميس الماضي يقضي بمنع إعفاء المثلث من السفر مع مطالبة محكمة الاستئناف بتحديد جلسة للكشف عن سرية الحسابات الخاصة بهم. لقد جاء هذا التطور كاشفاً عن نية المجلس العسكري والحكومة على مكافحة الفساد وعدم التستر عليه ومع ذلك فإن هناك مطالبات جماهيرية واسعة بأن يقدم هذا المثلث إلى محاكمة بتهمة الإفساد السياسي وتزوير إرادة الشعب من خلال مخططات تزوير الانتخابات وتكوين مجالس نيابية لا علاقة لها بتمثيل الجماهير. نوع ثالث من المخاوف كان نابعاً من استمرار قيادات الصحف المملوكة للشعب والمعروفة باسم الصحف القومية في مواقعها رغم كل التشويه الذي قامت به لجماهير الشعب والتحريض ضدها، بل وتبرير إطلاق النار على الناس وقتلهم أثناء المظاهرات. كان الخوف هنا أن يواصل هؤلاء دس المفاهيم الخاطئة في الصحف التي يديرونها وإشعال الفتن بأخبار ملفقة وتحليلات مضللة. وكان رأيي في هذا الخوف أنه علينا أن نطالب علنياً وبقوة بتغيير هذه القيادات، ورغم التباطؤ في تحقيق هذا المطلب فقد صدر قرار التغيير في نهاية الأسبوع الماضي واختفت الأسماء القديمة من صدر الصفحات الأولى. هناك مطالبات أخرى تتعلق بضرورة محاكمة وزير الداخلية السابق ومساعديه أمام محكمة عسكرية في قضايا قتل المتظاهرين وهناك مطالبات بضرورة الإسراع في اتخاذ الإجراءات الكفيلة باسترداد الأموال المنهوبة والمهربة إلى الخارج ومطالبات بتطهير الجامعات والمؤسسات من القيادات القديمة والإفراج عن المعتقلين وتسريع إجراءات المحاكمات للفاسدين. وإنني أعتقد أننا سنشهد استجابة لهذه المطالبات لطمأنة الناس أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة ما زال على التزامه بحماية الثورة وأهدافها لبناء مستقبل مصري أفضل.